وهذا كالمعتزلة مثلا فإنهم من أعظم الناس كلاما وجدالا ، وقد صنّفوا تفاسير على أصول مذهبهم مثل تفسير « عبد الرحمن بن كيسان الأصم » شيخ إبراهيم بن إسماعيل ابن علية الذي كان يناظر الشافعي ومثل كتاب « أبي على الجبّائي » ، والتفسير الكبير للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني ، والتفسير لعليّ بن عيسى الرماني ، والكشاف لأبي القاسم الزمخشري ، فهؤلاء وأمثالهم اعتقدوا مذاهب المعتزلة وأصول المعتزلة خمسة يسمونها هم : التوحيد ، والعدل ، والمنزلة بين المنزلتين ، وإنفاذ الوعيد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
و « توحيدهم » هو توحيد الجهمية الذي مضمونه نفى الصفات وغير ذلك ، قالوا : إن اللّه لا يرى ، وإن القرآن مخلوق ، وإنه ليس فوق العالم ، وإنه لا يقوم به علم ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا مشيئة ولا صفة من الصفات ! .
وأما « عدلهم » فمن مضمونه أن اللّه لم يشأ جميع الكائنات ولا خلقها كلها ولا هو قادر عليها كلها ، بل عندهم أن أفعال العباد لم يخلقها اللّه لا خيرها ولا شرّها ، ولم يرد إلّا ما أمر به شرعا ، وما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئته . وقد وافقهم على ذلك متأخر والشيعة كالمفيد وأبى جعفر الطوسي وأمثالهم . ولأبي جعفر هذا تفسير على هذه الطريقة لكن يضمّ إلى ذلك قول الإمامية الاثني عشر ، فإن المعتزلة ليس فيهم من يقول بذلك ولا من ينكر خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلى .
ومن أصول المعتزلة مع الخوارج ( إنفاذ الوعيد في الآخرة ) وأن اللّه لا يقبل في أهل الكبائر شفاعة ولا يخرج منهم أحدا من النار . ولا ريب أنه قد رد عليهم طوائف من المرجئة الكرامية والكلابية وأتباعهم فأحسنوا تارة وأساءوا أخرى حتى صاروا في طرفي نقيض . . .
والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه ، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا من أئمّة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم ، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة ، وذلك من جهتين : تارة من العلم بفساد قولهم ، وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن إمّا دليلا على قولهم أو جوابا على المعارض لهم .
الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفاسير قديما وحديثا — صفحة 78
مساهمون: سعد يوسف محمود أبو عزيز
ص٧٨