إذا فرغ ممّن بحضرته قيل له :
فإنه قد بقيت منهم بقايا الرساتيق ، فجعل يبعث فتاه حتى إذا كان الليل رجع إليه فأقرأه رجلا رجلا ، فأتى على ذكر بختنصّر فقال :
قف . كيف قلت ؟ . قال : بختنصّر . قال : وما بختنصّر هذا ؟
قال : هو أشدّهم فاقة ، وهو مقعد يأتي عليه السفارون ، فيلقى أحدهم إليه الكسرة ، ويأخذ بأنفه . قال : فإني مسلم به لا بد . قال الآخر : فإنما هو في خيمة له يحدث فيها ، حتى أذهب فأقلبها وأغسله . قال : دونك هذه الدنانير . فأقبل إليه بالدنانير فأعطاها إياه .
ثم رجع إلى صاحبه فجاء معه ، فدخل الخيمة فقال : ما اسمك ؟ قال : بختنصّر . قال : من سماك بختنصّر ؟ قال : من عسى يسميني إلّا أمّى ! قال : فهل لك أحد ؟ . قال : لا واللّه ، إني لهاهنا أخاف بالليل أن تأكلني الذئاب . قال : فأي الناس أشد بلاء ؟ . قال : أنا . قال :
أفرأيت إن ملكت يوما من دهر أتجعل لي أن لا تعصيني ؟ قال : أي سيدي لا يضرّك أن لا تهزأ بي . قال : أرأيت إن ملكت مرّة أتجعل لي أن لا تعصيني ؟ . قال : أما هذه فلا أجعلها لك ولكن سوف أكرمك كرامة لا أكرمها أحدا . قال : دونك هذه الدنانير ، ثم انطلق فلحق بأرضه ، فقام الآخر فاستوى على رجليه ، ثم انطلق فاشترى حمارا وأرسانا ، ثم جعل يستعرض تلك الأعاجم فيجزها فيبيعه ، ثم قال : إلى متى هذا الشقاء ؟ فعمد فباع ذلك الحمار وتلك الأرسان واكتسى كسوة ، ثم أتى باب الملك ، فجعل يشير عليهم بالرأي وترتفع منزلته حتى انتهوا إلى بواب الفرخان الذي يليه ، فقال له الفرخان : قد ذكر لي رجل عندك ، فما هو ؟ . قال : ما رأيت مثله قط ! قال : ائتني به ، فكلمه فأعجب به . قال : إن بيت المقدس وتلك البلاد قد استعصوا علينا ، وإنا باعثون عليهم بعثا ، وإني باعث إلى البلاد من يختبرها ، فنظر حينئذ إلى رجال من أهل الأرب والمكيدة ، فبعثهم جواسيس ، فلما فصلوا إذا بختنصّر قد أتى بخرجيه على بغلة ، قال : أين تريد ؟ . قال :
معهم . قال : أفلا آذنتني فأبعثك عليهم . قال : لا ، حتى إذا وقعوا بالأرض . قال : تفرقوا ، وسأل بختنصّر عن أفضل أهل البلد ؟ فدلّ عليه ، فألقى خرجيه في داره . قال لصاحب المنزل : ألا تخبرني عن أهل بلادك ، قال : على الخبير سقطت ، هم قوم فيهم كتاب فلا
الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفاسير قديما وحديثا — صفحة 257
مساهمون: سعد يوسف محمود أبو عزيز
ص٢٥٧