قال : كانوا مائتين وستين ملكا ! ! ! .
قال : فخرج عند ذلك الفعلة والقهارمة فتفرجوا في الصحاري ليتخذوا ما يوافق غرضه فلم يجدوا ذلك إلّا في أرض « أبين » من بلاد « عدن » فوقعوا بها على صحراء عظيمة نقية من التلال والجبال ، وإذا هم بعيون مطردة ، فقالوا :
هذه صفة الأرض التي أمرنا بها فأخذوا بقدر ما أمرهم به من العرض والطول ، ثم جعلوا لها حدودا محدودة ، ثم عمدوا إلى مواضع الأزقة التي فيها الماء فأجروا فيها القنوات لتلك الأنهار ، ثم وضعوا الأساس من صخور الجزع اليماني ، وعجنوا طين ذلك الأساس من دهن البان والمحلب ، فلما فرغوا من وضع الأساس وأجروا فيها القنوات أرسل الملوك إليهم الجواهر والذهب والفضة فمنهم من بعث بالعمد مضروبة ، ومنهم من بعث بالذهب والفضة مصنوعة مفروغا منها ، فدفعوا كل ذلك إلى أولئك القهارمة والوزراء فأقاموا فيها حتى فرغوا من بنائها على ما أراد شداد .
فقال له معاوية : يا أبا إسحاق إني لأحسبهم أقاموا في بنائها زمانا من الدهر .
قال : نعم يا أمير المؤمنين إني لأجد في التوراة أنههم أقاموا في بنائها ثلاثمائة سنة ! ! ! .
فقال معاوية : كم كان عمر « شداد » صاحبها ؟ .
قال : كان عمره سبعمائة سنة ! .
فقال له معاوية : يا أبا إسحاق لقد أخبرتنا خبرا عجيبا فحدّثنا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إنما سماها اللّه تعالى إرم ذات العماد من أجل العماد التي تحتها من الزبرجد والياقوت ، وليس في الدنيا مدينة من الزبرجد والياقوت غيرها فلذلك قال :
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ
[ الفجر : 8 ] .
قال كعب : إنهم لما أتوه وأخبروه بفراغهم منها . قال : انطلقوا فاجعلوا عليها حصنا واجعلوا الحصن ألف قصر عند كل قصر ألف علم ، ويكون في كل قصر من تلك القصور وزير من وزرائي ويكون كل علم منها عليه ناطور ، فرجعوا وعملوا تلك القصور والأعلام والحصن ، ثم إنهم أتوه فأخبروه بالفراغ مما أمرهم به ، قال :
فأمر ألف وزير من خاصته أن يهيئوا أسبابهم ويعملوا على النقلة إلى إرم ذات