تفاقم الأمر ، وضاق الحال ، واشتد الأمر ، واقترب فرعون وجنوده في جدهم وحدهم وحديدهم وغضبهم وحنقهم ، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، فعند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير رب العرش الكريم إلى موسى الكليم :
أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ
فلما ضربه ، يقال : إنه قال له : انفلق بإذن اللّه ، ويقال : إنه كناه بأبي خلد ، فاللّه أعلم ، قال اللّه تعالى :
فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
ويقال : إنه انفلق اثنتي عشرة طريقا ، لكل سبط طريق يسيرون فيه ، حتى قيل : إنه صار أيضا شبابيك ليرى بعضهم بعضا ، وفي هذا نظر ، لأن الماء جرم شفاف إذا كان من ورائه ضياء حكاه . وهكذا كان ماء البحر قائما مثل الجبال مكفوفا بالقدرة العظيمة الصادرة من الذي يقول للشيء كن فيكون ، وأمر اللّه ريح الدبور فلقحت حال البحر ، فأذهبته حتى صار يابسا لا يعلق في سنابك الخيول والدواب .
قال اللّه تعالى في سورة طه :
وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى ( 77 ) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ( 78 ) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى
( 79 ) . . . والمقصود : أنه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال بإذن الرب العظيم الشديد المحال ، أمر موسى عليه السلام أن يجوزه ببني إسرائيل ، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين مبادرين ، وقد شاهدوا من الأمر العظيم ما يحير الناظرين ، ويهدي قلوب المؤمنين ، فلما جاوزوه وجاوزه وخرج آخرهم منه وانفصلوا عنه ، كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه ووفودهم عليه ، فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه ، لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه ، ولا سبيل عليه ، فأمره القدير ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال ، كما قال وهو الصادق في المقال
* وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ( 17 ) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 18 ) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 19 ) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ( 20 ) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ( 21 ) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ( 22 ) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ