وبفعلهم هذا انحلت العروة الوثقى التي تجمع في الآيات القرآنية بين ألفاظ متلائمة وجمل مترابطة ، حتى زال عنها بذلك التفكيك أهم خصوصيات الإعجاز وهو النظم على هيئات خاصة ثم إن لكل سورة من سور القرآن روحا خاصة بها تسرى في تراكيبها وسائر جملها ، فلو انتزعنا جملة قرآنية وعزلناها عن سياقها زالت عنها تلك الروح التي كانت تسرى فيها من سياق سورتها ، وهؤلاء عندما اقتطعوا جملا من سور شتى وحاولوا التلفيق بينها والإضافة إليها لم يعلموا أنهم بذلك مزقوا الأواصر وأزهقوا أرواح الجمل التي كانت تسرى فيها عندما كانت في مواضعها من آياتها وسورها .
ومثلهم في ذلك كمثل من سولت له نفسه أن يقتطع أجزاء من أجسام شتى لتكوين جسم جديد مما أدى على إزهاق أرواح تلك الأجزاء وعدم استطاعة تكوين كلّ جديد حي منسجم . وعلى نفس المستوى من تحريف الألفاظ والنظم ما نجده من تحريف المضمون حين قالوا : " يتلوان عليكم آياتي " من قوله تعالى :
( أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي )
الأعراف 35 أو قوله تعالى :
( أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ )
الزمر 71 ، والمقصود القرآني هو تقرير الأقوام يوم القيامة بأن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم إليهم ليكون في الإقرار حجة عليهم يستوجبون بها العقاب ، لكن الملفقين حرفوه إلى : " يتلوان عليكم آياتي " وقصدوا بالتثنية محمد صلى اللّه عليه وسلم وعلى كرم اللّه وجهه ، وذلك يشير على معنى مضمر دسّوه وهو أن عليا يرقى إلى مقام النبوة ، وأنه يشترك مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في التبليغ للناس والتلاوة لهم ! !
وقوله تعالى :
( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ )
[ الرعد : 20 ] ، المقصود بعهد اللّه : الوحدانية ، أو كل تكاليف اللّه ، أو العهد القديم الذي أخذه اللّه على عباده في قوله تعالى :
( أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا )
. . . الآية 172 الأعراف « 1 » .
لكن الملفقين قالوا : " إن الذين يوفون بعهد اللّه ورسوله " فحرفوا اللفظ وحملوه مضمونا آخر هو ما يعتقدونه من عهد قطعه الصحابة على أنفسهم
هامش
( 1 ) راجع فتح القدير 1 / 1127 .