وهو بهذا التعريف يثير مسألة هامشية بالنسبة للكناية فهل هي من أقسام المجاز أو الحقيقة ، أو أنها تحمل على الحقيقة والمجاز ، وكل منهما يحقق المعنى المراد ، ويفهم من كلامه أن هناك فروقا مميزة بين التعريض والكناية تتلخص بما يأتي :
أ - أن الكناية عنده تقع في المجاز ، وأن التعريض ليس منه بشيء ، لأنه يفهم من جهة القرينة العرضية فلا علاقة له باللفظ في حقيقته ومجازه .
ب - أن الكناية تقع في المفرد والمركب بينما يختص التعريض بوقوعه في المركب فحسب .
ج - أن التعريض أخفى من الكناية ، لأن دلالة الكناية تعرف عن طريق اللفظ ، والتعريض يفهم عن طريق الإشارة ، وما دل عليه اللفظ يكون أوضح مما لا يدل عليه اللفظ وإن علم بدلالة أخرى « 1 » .
والحق أن ابن الأثير قد أثبت الفرق الظاهر بين الكناية والتعريض بهذه الوجوه ، فإنك لو نظرت إلى قوله تعالى :
قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ( 62 ) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ( 63 )
« 2 » لعرفت أن دلالة التعريض في الآية قد وصلت إلى ذهنك من جهة المفهوم لأن هدف إبراهيم إقامة الحجة والبرهان على قومه ، بأن هؤلاء لا يضرون ولا ينفعون ، فهم لا ينطقون ، وأبسط مظاهر توقع النفع أو الضر أن يعي الشيء ويتكلم ليحقق ما يريد ، والحجر لا يعي ولا يتكلم فسلب عنه حينئذ أبسط مظاهر الضر والنفع .
وفي قوله تعالى :
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ ( 27 )
« 3 » .
تعريض بأن اللّه لو أرسل بشرا رسولا ، لاختارنا دونك ، لاعتبارات
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : والصفحة .
( 2 ) الأنبياء : 62 - 63 .
( 3 ) هود : 27 .