أخرى ، وباللحن تارة ثالثة ، وحملوا عليه قول الشاعر : « 1 »
منطق صائب وتلحن أحيانا * وخير الحديث ما كان لحنا
فكأنهم أرادوا باللحن الانتقال في الكلام إلى غير وجهه الظاهري ، والتوجه به في نحو جديد يلتبس على السامع وهو الرمز .
وقد جاء في تعريف النقاد القدامى للرمز ما يأتي :
« وأصل الرمز الكلام الخفي الذي لا يكاد يفهم ، ثم استعمل حتى صار كالإشارة » « 2 » .
وهذا التعريف غير كاف لأن يأخذ المفهوم الرمزي صيغته الاصطلاحية ، وإن كان التعبير لا يختلف عن تعريف المحدثين له إلا أنهم وسعوا المفهوم فصار حدا لما لا يفهم من الكلام في لفظه ومعناه .
والرمز بعد هذا وسيلة من وسائل التعبير لبث ما في النفس من شجا وألم ، وكشف لما تكنه من لوعة وأسى وحرمان ، ولو أردنا مثالا توضيحيا على ذلك لأخذنا بما فسره الدكتور طه حسين من قصيدة المتنبي التي يبدؤها بقوله : « 3 »
ليالي بعد الظاعنين شكول * طوال ، وليل العاشقين طويل
يبن لي البدر الذي لا أريده * ويخفين بدرا ما إليه سبيل
فهو يحلل الصورة الرمزية في القصيدة بما يخالف تأدية الألفاظ ، ولكنها لما كانت صورة رمزية للتعبير عن حس داخلي بدأها بهذا الغناء الحزين ، فكان في القصيدة كما يرى الدكتور طه حسين « حزن دفين يصدر أحيانا عن نفس الشاعر التي لم تدرك من آمالها شيئا أو لم تكد تدرك منها شيئا ، ويصدر أحيانا أخرى عن حال هذه الأمة الإسلامية التي تبلي فتحسن البلاء ، وتجاهد فتحسن الجهاد ، ولكنها حيث هي لا تتقدم خطوة ولعلها تتأخر خطوات . . . حياته متشابهة كحياة المسلمين وكحياة الأمير ، وإذن
هامش
( 1 ) ابن رشيق ، العمدة : 1 / 308 .
( 2 ) المصدر نفسه : 1 / 306 .
( 3 ) المتنبي ، الديوان : 3 / 217 .