فسترى أن الحديث في الآية وقد جاء منصبا حول صفتين معنويتين هما البخل والتبذير ، ولكن أدب القرآن العظيم لم يذكرهما بالاسم بل عبر عنهما بالكناية بتصويره الفني الدقيق ، فترك التصريح إلى التلميح ، والذكر إلى الإشارة ، فقرن البخل باليد المغلولة إلى العنق التي لا تستطيع حولا ولا طولا ، فهي مقيدة لا تتصرف ، ومحجورة لا تتحرك . وقرن التبذير والإسراف باليد المبسوطة التي لا تقبض شيئا ، ولا يستقر عليها شيء .
لقد كان حديث الآية منصبا حول هاتين الصفتين المعنويتين فعبر عنهما بهذا المعيار البلاغي السليم ، وهو الكناية .
2 - والعرب حينما تتخلى عن التعبير المباشر إلى التعبير غير المباشر ، فإنها تضع لذلك ألفاظا وتصطلح كلمات ، تدل على المراد بالكناية ، ومن ذلك أنهم يكنون عن المرأة بالشجرة والنخلة والبيضة والنعجة ، وقد أشار إلى ذلك ابن رشيق القيرواني ، فعدّ من الكناية قول اللّه عزّ وجلّ في إخباره عن خصم داود عليه السلام :
إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
« 1 » « 2 » .
3 - قال الخطيب القزويني ( ت : 739 ه ) : ومن لطيف هذا القسم قوله تعالى :
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ . . .
« 3 » .
أي : ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل ، لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته ، أن يعض يده غما ، فتصير يده مسقوطا فيها ، لأن فاه قد وقع فيها « 4 » .
ب - كناية الموصوف :
وهي التي يطلب بها نفس الموصوف ، والكناية هنا تختص بالمكنى عنه :
هامش
( 1 ) ص : 23 .
( 2 ) ظ : ابن رشيق ، العمدة : 1 / 282 .
( 3 ) الأعراف : 149 .
( 4 ) ظ : القزويني ، الإيضاح : 323 .