ولا يمكن لمن اعتبر هذا الوجه الأخير أن يترجم كلاما من الكلام العربي بكلام العجم على حال فضلا عن أن يترجم القرآن ، وقد نفى ابن قتيبة إمكان الترجمة في القرآن ، يعنى على هذا الوجه الثاني ، فأما على الوجه الأوّل فهو ممكن ، ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معناه للعامة ، ومن ليس فيهم يقوى على تحصيل معانيه ، وكان ذلك جائزا باتفاق أهل الإسلام ، فصار هذا الاتفاق حجّة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي » 28 .
وكان تجويز الشيخ المراغي الترجمة مستندا إلى كلام الشاطبى هذا وأضاف المراغي :
« وأريد أن أقول إن قراءة الأعاجم للنظم العربي لا يدلّهم على الإعجاز ، فليس في استطاعتهم فهمه ، والأمم العربيّة الآن ومنذ أزمان خلت لا يفقهون الإعجاز من النظم العربي ، وقد انقضى عصر الذين أدركوا الإعجاز عن طريق الذوق . . . وقد كنا نخاف لو أن الترجمة أذهبت من النص العربي علومه وأسراره ولكنها باقية معه . . . » .
ولكنّه يقرّر بعد ذلك :
« يجب على كل مسلم يعرف العربيّة ويفهمها ألا يحيد عنها في قراءة النظم العربي إلى قراءة إحدى التراجم . . . » .
ويؤكد - متابعا الشاطبى - على إمكان ترجمة الدلالات الأصليّة ، واستحالة ترجمة الدلالات التابعة أو الخادمة .
والمهم بعد ذلك كله أن الترجمات انطلقت منذ عصر الأندلس حتّى اليوم . وكانت الترجمات الأولى إلى اللغة اللاتينيّة ، لغة العلم في أوروبا . ومن أقدمها وأهمّها ترجمة « روبرت كنت » عام 1143 م ، وقد
إشكاليات ترجمة معاني القرآن الكريم ( اللغة والمعنى ) — صفحة 45
مساهمون: محمود العزب
ص٤٥