ويبدو من رواية النيسابوري هذه أنّه كان ثمة حوار وخلاف حول جواز الترجمة وعدمها ، وكان بعض محاوريه يحتجّ لجواز الترجمة ، بما نقل عن ابن مسعود في جواز وضع صفة مكان أخرى ما دام ذلك لا يقلب شرعا ، ولا حقيقة دقيقة ولا حكما . . ولكن النيسابوري شك في ورود هذه القصّة عن ابن مسعود . وأكّد على جانب النظم المعجز . .
الذي لا يمكن أن يترجم .
وقد فصل الزركشي في أسباب منعه الترجمة قائلا :
« إن النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) في رسالته إلى قيصر لم يكتب إلّا آية واحدة لمعنى واحد ، وهو توحيد الله والتبري من الإشراك ، لأن النقل من لسان إلى لسان قد تنقص الترجمة عنه فإذا كان معنى المترجم عنه واحدا قلّ وقوع التقصير فيه ، بخلاف المعاني إذا كثرت . . . » 27 .
وأما الشاطبى فقد فصل كذلك ، وقسم قائلا :
« إن للغة العربيّة من حيث هي ألفاظ دالة على معان نظرين أحدهما : من جهة كونها ألفاظا وعبارات مطلقة دالة على معان مطلقة وهي الدلالة الأصليّة ، والثاني من جهة كونها ألفاظا وعبارات مقيّدة ، دالة على معان خادمة وهي الدلالة التابعة .
والجهة الأولى هي التي تشترك فيها جميع الألسنة ، وإليها تنتهى مقاصد المتكلّمين ، فلا تختص بأمّة دون أخرى ، وأما الجهة الثانية فهي التي يختص بها اللسان العربي ، في تلك الحكاية وذلك الإخبار ، فإن كل خبر يقتضى في هذه الجهة أمورا خادمة لذلك الإخبار بحسب المخبر والمخبر عنه والمخبر به ، ونفس الإخبار في الحال والمساق ، ونوع الأسلوب من الإيضاح والإخفاء والإيجاز والإطناب وغير ذلك ،
إشكاليات ترجمة معاني القرآن الكريم ( اللغة والمعنى ) — صفحة 44
مساهمون: محمود العزب
ص٤٤