( وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا
« 1 »
)
.
ويقول النابغة [ ردت عليه أقاضيه وليده ] قال : وقد قرأ أبو جعفر ليجزى قوما أي ليجزى الجزاء قوما [ قلت وكل هذا استدلال بقراءات ضعيفة شاذة ، وبضرورات شعر ، وكل ذلك مما يشهد بضعف هذه القراءة ، وعجبت ممن يذكرها ويترك غيرها مما هو شائع لغة ونقلا ، وموافق خطا نحو - ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون - ذكر ابن مجاهد رواية عن أبي عمرو بياء مضمومة ، ورواية عن ابن عامر بتاء مفتوحة مع كسر الجيم ، وأجود ما وقفت عليه في توجيه هذه القراءة ما نقله أبو جعفر النحاس قال : لم أسمع في هذا بأحسن من شيء سمعته من على ابن سليمان : قال الأصل ننجى فحذف إحدى النونين لاجتماعهما كما تحذف إحدى التاءين لاجتماعهما نحو قوله تعالى -
وَلا تَفَرَّقُوا
- الأصل تتفرقوا قال : والدليل على صحة ما قال أن عاصما يقرأ نجى بإسكان الياء ، ولو كان على ما تأوله من ذكرنا لكان مفتوحا ، وقال أبو الفتح ابن جنى في كتاب الخصائص في باب امتناع العرب من الكلام بما يجوز في القياس : أجاز أبو الحسن ضرب الضرب الشديد زيدا وقتل يوم أخاك ، قال هو جائر في القياس وإن لم يرد به الاستعمال ، ثم أنشد ابن جنى [ لسب بذلك الجرو الكلابا ] قال هذا من أقبح الضرورة ، ومثله لا يعتد به أصلا ، بل لا يثبت الا محتقرا شاذا ، قال : وأما قراءة من قرأ - وكذلك نجى المؤمنين - فليس على إقامة المصدر مقام الفاعل ، لأنه عندنا على حذف إحدى نونى ننجى كما حذف ما بعد حرف المضارعة في قوله تعالى : - تذكرون - أي تتذكرون ، ويشهد لذلك أيضا سكون لام نجى ولو كان ماضيا لانفتحت اللام إلا في الضرورة ، وقال في كتاب المحتسب : روى عن ابن كثير وأهل مكة - ونزل الملائكة تنزيلا - يعنى في سورة الفرقان ، قال وكذلك روى خارجة عن أبي عمرو قال :
أبو الفتح ينبغي أن يكون محمولا على أنه أراد - وننزل الملائكة - إلا أنه حذف النون الثانية التي هي فاء فعل لالتقاء النونين استخفافا ، وشبهها بما حذف من أحد المثلين الزائدين في نحو : قولك أنتم تفكرون وتظهرون وأنت تريد تتفكرون وتتظهرون . قال ونحوه قراءة من قرأ « وكذلك نجى المؤمنين » ألا تراه يريد ننجى فحذف النون الثانية وإن كانت أصلا لما ذكرنا ، قلت ونقل هذه القراءة وتعليلها المذكور الزمخشري في تفسيره ، وذكره المهدوى في قراءة « ننجى المؤمنين » وهو وجه سديد غريب لا تعسف فيه ، ويشهد له أيضا حذف إحدى النونين من « أتحاجوني ، وتبشرونى وتأمروني وتأمروني أعبد » وعجبت من شيخنا أبى الحسن رحمه اللّه كيف لم ينقل هذا التعليل في شرحه مع كونه في إعراب النحاس وهو كثير الأخذ منه ، وقراءة الجماعة فنجى بنونين الثانية ساكنة وبتخفيف الجيم من الإنجاء ، وقبله « ونجيناه من الغم » بالتشديد جمعا بين اللغتين ، كما جمع بينهما في كثير من القرآن نحو .
( فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً
« 2 »
)
.
( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ
« 3 »
)
.
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية : 278 .
( 2 ) سورة الطارق ، آية : 17 .
( 3 ) سورة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، آية : 20 .