هي تاء التأنيث الساكنة ، اللاحقة لأواخر الأفعال الماضية ، والتاء في القراءتين السابقتين تاء الخطاب المفتوحة ومعنى هذه القراءة : أي امحيت هذه الآيات وعفت ومضت عليها دهور ، فكانت من أساطير الأولين ، فأحييتها أنت وجئتنا بها ، وكافيا حال ، ثم قال : واكسر أنها : أراد :
( أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ
« 1 »
)
.
فألقى حركة الهمزة في أنها على الراء الساكنة من اكسر ، فيجوز كسر الراء وفتحها على بناء حركة الهمزة المنقولة ، وفيها قراءتان : الكسر لأبى عمرو وابن كثير ، ولأبى بكر بخلاف عنه ، وهي ظاهرة ، لأنها استئناف إخبار عنهم : أنهم لا يؤمنون إذا جاءت الآية ، ومعنى وما يشعركم - وما يدريكم إيمانهم إذا جاءت ، فحذف المفعول وابتدأ بالإخبار بنفي وقوعه ، والقراءة الأخرى بالفتح يوهم ظاهرها أنه عذر للكفرة ، فقيل : إن أنها بمعنى : لعلها ، وهي في قراءة : أبىّ - لعلها - ذكر ذلك أبو عبيد وغيره ، ولعل تأتى كثيرا في مثل هذا الموضع ، نحو :
( وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
« 2 » -
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
« 3 »
)
.
وقيل إنها وما بعده مفعول يشعركم ، على أن لا زائدة ، نحو :
( وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ
« 4 »
)
.
وهو قول الكسائي والفراء ، وقيل هو عذر للمؤمنين أنهم لا يعلمون ما سبق به القضاء على الكفار من أنهم لا يؤمنون إذا جاءت الآية ، على ما قاله تعالى :
( إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ
« 5 »
)
.
وقيل التقدير لأنها إذا جاءت : أي منعنا من الإتيان بالآية أنهم لا يؤمنون إذا جاءت ، قال الزجاج : زعم سيبويه عن الخليل أن معناها لعلها إذا جاءت لا يؤمنون ، وهي قراءة أهل المدينة ، قال : وهذا الوجه أقوى وأجود في العربية ، والذي ذكر أنّ « لا » لغو : غالط ، لأن ما كان لغوا لا يكون بمنزلة لغو ، ومن قرأ بالكسر فالإجماع على أن « لا » غير لغو ، فليس يجوز أن يكون معنى لفظه : مرة لنفى ومرة لإيجاب ، وقد أجمعوا على أن معنى أنّ هاهنا إذا فتحت معنى لعل ، قلت : وقد تكلم أبو علي في الاصطلاح على هذا ، واقتصر لمن قال أنّ « لا » لغو ، واختار أن يكون التقدير : لأنها ، أي : فلا نؤتيهموها لإصرارهم على كفرهم عند ورودها ، فتكون هذه الآية كقوله تعالى :
( وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
« 6 »
)
.
أي بالآيات المقترحة ، وقول الناظم : « حمى صوبه » أضاف حمى إلى الصوب ، وهو نزول المطر
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، آية : 109 .
( 2 ) سورة الشورى ، آية : 42 .
( 3 ) سورة عبس ، آية : 3 .
( 4 ) سورة الأنبياء ، آية : 95 .
( 5 ) يونس ، الآيتان : 96 و 97 .
( 6 ) سورة الإسراء ، آية : 59 .