والتخفيف والتشديد في كل ذلك لغتان ، ومن عادته أن يجمع النظائر مقدما لما في سورته مهما أمكن ، وهنا لم يمكنه ، فقدم الذي في الأنبياء ثم رجع إلى ما في سورة الأنعام ، وغيرها ، ومعنى « كلا » حفظ ، وهو مهموز كما قال تعالى :
( قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ
« 5 »
)
.
ولكن وقف عليه فأبدل من الهمزة ألفا لسكونها . واللّه أعلم .
640 - [ وبالغدوة الشّامىّ بالضّمّ هاهنا * وعن ألف واو وفي الكهف وصّلا ]
أي يقرأ بن عامر بالغدوة والعشىّ بضم الغين وسكون الدال ، وبالواو موضع الألف فتصير بالغدوة ، ولم ينبه على كون الدال ساكنة استغناء باللفظ به ، وكان له أن يستغنى أيضا باللفظ عن ذكر الضم والواو وإنما ذكرهما لتعرف القراءة الأخرى ، فنبه بالضم على الفتح ، ونص على الألف بدلا عن الواو ، وبقي فتح الدال استغنى عن التنبيه عليه لأن الألف لا يكون قبلها إلا مفتوح أو تركه لأنه قد لفظ بالدال في قراءة ابن عامر ساكنة ، فكأنه قال : بسكون الدال ولو قال : ذلك لكان ضدا ، لكون المطلق الحركة المطلقة وهي : الفتح ومعنى قوله عن ألف واو أي وثبت له بدلا عن واو ، ثم قال : « وفي الكهف وصلا » أي اتبع الذي في الكهف الذي في الأنعام ، فقرأ ذلك كما قرأ هذا ، أو وفي الكهف وصل ، هذه القراءة إلينا ورسمت الغدوة بالواو في جميع المصاحف ، كالصلاة والزكاة والحياة ، قال الفراء في سورة الكهف من كتاب المعاني : قرأ أبو عبد الرحمن السلمى بالغدوة والعشىّ ، ولا أعلم أحدا قرأ بها غيره . العرب لا تدخل الألف واللام في الغدة لأنها معرفة بغير ألف ولام ، سمعت أبا الجراح يقول : ما رأيت كغدوة قط ، يعنى بردا أصابه ، يريد : كغداة يومه ، ألا نرى أن العرب لا تضيفها ، فكذلك لا تدخلها الألف واللام ، إنما يقولون : أتيتك غداة لخميس ، ولا يقولون غدوة الخميس ، فهذا دليل على أنها معرفة ، وقال أبو عبيد : كان عبد اللّه بن عامر وأهل الشام أو كثير منهم يقرءونها بالغدوة ، على واو ، كذلك يروى عن أبي عبد الرحمن السلمى ، وأما القراءة فعلى غير هذا قرءوا جميعا بالغداة قال : وكذلك هي عندنا وإنما نرى ابن عامر والسلمى ، قرءا تلك القراءة اتباعا للخط ، قال : والذي نقول به : ليس في إثباتهم الواو في الكتاب دليل على القراءة بها ، لأنهم قد كتبوا الصلاة والزكاة بالواو . ولفظهما على تركها ، وكذلك الغداة على هذا وجدنا ألفاظ العرب ، قال ابن النحاس قرأ أبو عبد الرحمن السلمى وعبد اللّه بن عامر ومالك بن دينار : بالغدوة . قال : وباب غدوة أن يكون معرفة إلا أنه يجوز تنكيرها ، كما تنكر الأسماء الأعلام . فإذا نكرت دخلتها الألف واللام للتعريف ، وعشى وعشية نكرتان لا غير قال أبو علي : وجه دخول لام المعرفة عليها أنه قد يجوز وإن كان معرفة أن ينكر ، كما حكاه زيد من أنهم يقولون : لقيته فينة ، والفينة بعد الفينة ففينة مثل الغدوة في التعريف ، بدلالة امتناع الانصراف وقد دخلت عليه لام التعريف وذلك أن يقدر من أمة كلها له مثل هذا الاسم فيدخل التنكير لذلك ، وقول من قال : بالغداة أبين ، قال سيبويه : زعم الخليل أنه يجوز أن يقول أتيتك اليوم غدوة وبكرة ،
هامش
( 5 ) سورة الأنبياء ، آية : 42 .