تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في الحكمة — صفحة 622

مساهمون:

ص٦٢٢
ومما يعلم من نتائج البحث لدى هذا الفيلسوف ، أنه لا يرى مانعا من أن تطلع النفس الانسانية على بعض الغيب حال النوم . وقد يحدث هذا حال اليقظة لمن فسدت لديهم القوى الحسية ممن أصيبوا بالصرع . فقد ثبت أن لقلة الشواغل الحسية مدخلا كبيرا في تلقي بعض المغيبات . فالجواهر الغيبية ليست محتجبة عن نفوسنا بحجاب من جهتها ، لكن الحجاب من جهتنا نحن ، إذ أنه في قوانا البشرية لضعفها . وهذه الفكرة التي تؤكد وجود الحجاب من جهتنا فكرة صوفية نجدها موضحة في تراث صوفية القرن الثالث الهجري وبخاصة لدى سهل التستري ( 283 ه ) . ويمكن للنفس أن تتلقى بعض الغيب في اليقظة على وجهين : الأول أن تكون النفس قوية بحيث لا يشغلها البدن عن الاتصال بالمباديء ، كما يحدث في حال وحي الأنبياء الصريح الذي لا يحتاج إلى تأويل . والثاني ألا تكون النفس قوية على الوجه السالف ، فتحتاج إلى الاستعانة بما يدهش الحس ويجبر الخيال . وقد يحدث هذا كثيرا في ضعفاء العقول ، وأصحاب الحيرة والدهشة . لكن العارفين بالله تعالى قد يكرمهم ببعض المعرفة الغيبية . ومن النتائج البارزة في فكر أبن كمونة تأكيده على أهمية النبوة ولزومها إذ هي أمر هام وضروري لهذه الحياة ، فلو ترك الناس وشأنهم لاختلفوا وتناقضوا ، فيختل نظام العمران والحياة . ومن هنا قضت الحكمة الإلهية بأرسال الرسل من جنس الناس ، ليعلموهم ما يرشدهم نحو الحق والخير . وفي سبيل أنجاح مهمة الأنبياء يذكر أبن كمونة أهمية المعجزات التي تؤيد النبي . ويقول أبن كمونة أن الله تعالى أيد رسله بالمعجزات ، التي هي مقترنة بالتحدي ، وقد تكون هذه المعجزات قولية وقد تكون فعلية . ويمكن أن يفهم من كلام أبن كمونة ، أن الفرق الجوهري الحاسم بين المعجزة والكرامة أن الأخيرة لا تقترن بالتحدي كما تقترن المعجزة .