وللنبوة خواص ثلاث : الأولى قوة النفس بحيث تؤثر في مادة الكون . والثانية القوة النظرية بأن تصفو نفس النبي لقبول العلوم بسرعة . والثالثة اطلاع النبي على الغيب حالتي النوم واليقظة . وعلى هذا فأن النبوة طور وراء العقل .
ومما يعلم من نتائج البحث هنا ، أن تعلق النفس بالبدن ، ليس من نوع التعلق العام ، الذي يقتضي فسادها بفساده . وعليه فليس البدن مع هيئته المخصوصة شرطا في وجود النفس ، من حيث هي جوهر مجرد .
فالنفس ممتنعة العدم ، وهي أيضا أبدية الوجود . فإذا فارقت الجسد يزول عنها الاشتغال بقواه ، ويخلص لها أشتغالها بذاتها ، فتشاهد ذاتها . فالشعور بالوجود سعادة ، لان شواغل البدن وعلائقه تمنع النفس من الاشتياق إلى الكمال ، وتعوقها عن نيل السعادة .
ويمكن أن يقال في النهاية بصورة عامة أن أبن كمونة لم يكن مجرد ناقل للفكر ، أو مردد للقضايا وأنما استطاع بما أعد به نفسه من تثقيف وما وهب من استعداد أن يضيف إلى ما ورث من فكر عناصر كثيرة جديرة بالتقدير . لقد عرض نصاعة الحجة ودقة انتقاء الكلمات .
وترك الفضول من الالفاظ والعبارات ومجانبة الاغراض والايغال في متاهات الفروض والاحتمالات ولا يفتقد الانسان في تراث أبن كمونة هنا الصبغة التعليمية ، والروح المفعمة بالرغبة في التفهيم والتبسيط لا عقد القضايا وأدق المشكلات .
أن هذا المؤلف والمؤلف اللذين نقدمهما اليوم في هذه الدراسة والتحقيق يثبتان جدارتهما بالمكانة التي يحتلانها في ميدان فلسفتنا الاسلامية .
ولا يفوتنا في ختام هذا البحث ألا أن ننبه إلى بعض ما ورد في غضونه من نقاط الالتقاء بين كل من الفلسفة وعلم الكلام من جانب ، والتصرف من جانب اخر ، مما يجعل أمل المخلصين من الباحثين في
الجديد في الحكمة — صفحة 623
مساهمون: ابن كمونة
ص٦٢٣