والوجه الكمي في جميع ذلك ، أن الهويات غير مكتفية بذاتها في وجود كمالاتها ، إذ كمالات الهويات مستفادة من فيض الكامل بالذات ، من غير أن تقصد بالإفادة واحدا واحدا من جزئيات الهويات .
فكان من الواجب في الحكمة وحسن التدبير ، أن يغرز فيه عشقا كليا حتى يصير بذلك مستحفظا لما نال من فيض الكمالات ، ونازعا إلى ملابستها عند فقدانها ، ليجري الامر على النظام الحكمي .
ولا يجوز مفارقة هذا العشق لشيء من الموجودات ، إذ لو فارقها لاحتاجت إلى عشق آخر به يستحفظ هذا العشق عند وجوده ، أشفاقا من عدمه ، ويسترده عند فواته منعا « 1 » لبعده ، ولصار أحد العشقين معطلا . فلكل شيء من الأشياء كمال يخصه من الواجب ، وعشق أرادي أو طبيعي لذلك الكمال وشوق اليه .
كذلك إذا فارقه ما هو كماله ، ولولا هذا الشوق ، لما وجدت الحركة أصلا لا الإرادية والطبيعية ولا القسرية .
وواجب الوجود لا يجوز عليه أن يتحرك لهذا المعنى ، ولما مضى ، وهو فلا يحرك جسما مباشرة ، فأن قوته لا يمكن أن تكون متناهية ، فهي أذن غير متناهية .
وإذا كانت كذلك فلو حرك بها جسما ، لكانت تلك الحركة لا يتصور ما هو أسرع منها ، لكن ذلك محال . لأنها لا بد وأن تكون في زمان ، وكل زمان فهو ينقسم بالفرض ، فيكون قطع المسافة المعنية في نصفه ، أسرع من قطعها في كله ، فلا يكون قطعها في كله أسرع الحركات ، وفرضت أسرعها ، هذا خلف .
وإذا كانت سرعة الحركة ، بسبب شدة القوة ، فما لا يتصور أشد من قوته ، لا يتصور أسرع من الحركة التي تباشرها بكل تلك القوة ، مع أن الواجب لذاته يمتنع عليه الغير ، فهو ثابت ، والحركة فليست بثابتة .
هامش
( 1 ) في ك ، أ « قلعا » .