وللحجج العقلية فوائد ، منها : الزام المبطلين ، والذب عن الأوضاع ، وأقناع أهل التحصيل من العوام والمتعلمين القاصرين عن البرهانيات . ومن خلال المجادلة قد يلوح برهان من أحد المتناقضين يحصل منه رياضة للخاطر .
والخطابة صناعة علمية يمكن معها أقناع الجمهور ، فيما يراد تصديقهم به ، بقدر الامكان . ولها ثلاثة مبادئ : المقبولات ممن يوثق بصدقة أو يظن صادقا . والمشهورات في أول الأمر ، وهي التي تذعن لها النفس في أول أطلاعها عليها ، فإذا رجعت إلى ذاتها عاد ذلك الاذعان ظنا أو تكذيبا مثل « انصر أخاك ظالما أو مظلوما » لأنه عند التأمل يظهر أن الظالم ينبغي ألا ينصر ، وأن كان أخا .
والمظنونات تميل النفس إليها مع شعورها بامكان مقابلها ، فالمحتج يستعملها جزما لكنه يتبع فيها مع نفسه غالب الظن ، مثل : فلان يتكلم مع الأعداء جهارا ، فهو متهم ، وقد يكون مقابله مظنونا باعتبار آخر مثلما يقال هذا بعينه في نفس التهمة عنه . ويستعمل فيها من الحجج ما يظن منتجا ، كما ينتفع بها في تقرير المصالح الجزئية المدنية ، وأصولها الكلية كالعقائد الإلهية والقوانين العملية .
وبعضها قد يكون منبها للنفس على تحصيل العلم اليقيني ، أو معدا لها لقبول ذلك من مبدئه . وربما تكون هذه الفائدة قاصرة على بعض الاشخاص دون بعض .
والشعر صناعة علمية يقتدر معها على ايقاع تخيلات تصير مبادئ انفعالات نفسانية مطلوبة . ومبادؤها المخيلات التي تؤثر في لنفس انبساطا أو انقباضا ، أو تسهيل أمر أو تهويله أو تعظيمه أو تحقيره ، فالعسل مثلا يقال له مقيء للتنفير من أكله ، وهذه قد تصدق وقد تكذب ، أو ربما زاد تأثيرها على التصديق وأن لم يكن معه تصديق .
والتخيل محاكاة ، وهذه تفيد التذاذا وتعجبا كالتصوير وان كان لشيء غير جميل ، ولذا كانت النفوس العامية مطيعة له أكثر من طاعتها للاقناع .
الجديد في الحكمة — صفحة 43
مساهمون: ابن كمونة
ص٤٣