ولا شيء من تلك المبادئ حجة على الغير ، إذا لم يحصل له اليقين منها .
وليس من شرط ما يجب قبوله أن يكون قضية ضرورية .
وهناك ما يسمى برهان لم ، وهو الذي يعطي علة الوجود والتصديق معا ، مثل : هذه الخشبة مستها النار ، وكل كدر محترق ، فهذه الخشبة محترقة فالأوسط هنا مع كونه علة التصديق هو علة الحكم بالأكبر على الأصغر .
وهناك برهان « ان » وهو الذي يعطي علة التصديق فقط ، مثل : هذه الحمى تشتد غبا ، وكل حمى كذلك فهي محرقة . وقد يكون الأوسط هنا معلولا للحكم ، فيسمى « دليلا » مثل : هذه الخشبة محترقة ، وكل محترق فقد مسته النار .
والجدل : صناعة علمية يقتدر معها الانسان على إقامة الحجة من المقدمات المسلمة ، على أي مطلوب يراد ، وأي وضع يتفق على وجه لا يتوجه اليه مناقضة حسب الامكان .
والذي يقوم بنقض الوضع بإقامة الحجة يسمى سائلا ، وغاية سعيه أن يلزم ، وحافظه يسمى مجيبا ، وغاية - سعيه ألا يلتزم - وللجدل مبادئه العامة ، أو الخاصة وهي مسلماته ، والتي هي بحسب كل شخص ، فعند السائل هي ما يتسلمه من المجيب ، وعند المجيب هي المشهورات .
ومنها الواجب قبولها ، من حيث عموم الاعتراف بها . ومنها الآراء المحمودة وهي التي لو خلى الانسان وعقله المجرد وحسه ووهمه ، ولم يؤدب بقبول قضاياها والاعتراف بها ، ولم يستدع إليها ما في طبيعة الانسان من الرحمة والخجل والانفة والحمية ، لم يقض بها الانسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسه ، مثل حكمنا بأن أخذ مال الغير قبيح ، والكذب قبيح . وقد تكون هذه صادقة أو كاذبة ، وقد تكون عامة يراها أهل صناعة مثلا دون غيرهم . وقد يكون المتقابلان مشهورين حسب رأيين أو غرضين .
على أنه لا يلزم الجدلي أن يستعمل الحجج التي تنتج حقيقة ، بل قد يستعمل ما ينتج بحسب الشهرة ، أو تسليم الخصم ، مع أنه قد يكون عقيما في نفس الأمر .
الجديد في الحكمة — صفحة 42
مساهمون: ابن كمونة
ص٤٢