والانفعال لا يكون الا عن قاهر يقهر طبيعة المنفعل ، ويمنعه عن المقاومة ، فيوهنه ( لوحة 320 ) ، فتتوهن القوة القائمة به معه .
والقوة العقلية بأدراك المعقولات تزداد قوة . وإذا عرض للنفس ملال عند التفكر « 1 » في المعقولات ، فإنما ذلك باعتبار القوى الجسمية ، ولو كان ذلك لكلال النفس لما كان موجب كلالها مشحذ قوتها . ومن تلك الحجج الاقناعية ، أنها لو كانت جسمانية ، لما أدركت الضعيف عقيب القوي ، كما لا تدرك الرائحة الضعيفة أثر القوية ، ولا النور الضعيف بعد القوي ، والقوة العقلية ربما قواها ادراك القوي على أدراك الضعيف ، فضلا عن أنه لا يضعفها عنه .
ومما يحتج به أيضا ، أنه لو كانت النفس جسمانية لكلت بعد سن الوقوف عند الانحطاط ، ونجد ذلك في الأغلب بعد الأربعين . فكان « 2 » يلزم اختلاف الشعور بذاتها ، وبمعقولاتها ، وليس كذا .
ولو كان الهرم لكلال النفس لا طرد في كل شيخ ، ولما كانت الافكار المؤدية إلى العلوم مضعفة للدماغ . ونحن نجد كثيرا من المشايخ تضعف جميع قواه الا العقل ، فإنه يكون اما ثابتا ، واما في طريق الازدياد .
فحرف بعض المشايخ ، واختلال عقل بعض المرضى ، ليس الا لان الشيء قد يعرض له من غيره ما يشغله عن فعل نفسه ، لا لأنه لا فعل له في نفسه .
وقد ذكر في بيان هذين المطلبين أدلة كثيرة ، لم أر التطويل بذكرها .
على أن بعض ما ذكرته كاف في بيانهما ، فأن البرهان على أن المدرك منا ليس بجسماني ، يستغني عن بيان أنه ليس بمزاج البدن ،
هامش
( 1 ) ك « الفكر » .
( 2 ) أ « وكان » .