إذا عرفت هذا فنقول : لا يجوز أن يحرك جسم جسما حركات غير متناهية على سبيل القسر ، لأنه إذا حرك جزء ذلك الجسم من ذلك المبدأ وجب أن يحركه أكثر فتقع الزيادة في الجانب الآخر ، فصير الجانب الآخر متناهيا .
ولا يجوز أن يحرك قوة طبيعية جسمانية تحركات غير متناهية ، لأن بعض تلك القوة وكلها إذا ابتدأ بتحريك كل ذلك الجسم من مبدأ معين كان تحريك البعض أقل ، فيتناهى تحريك بفض القوة وزيادة تحريك كل القوة على بعضها متناه ، فكان الكل متناهيا . فثبت : أن مبدأ هذه الحركات السماوية مفارق عقلي .
واعلم : أن هذه الدلائل ضعيفة لوجوه :
أحدها : أنه لابد من التفاوت بين تحريك كل القوء وتحريك بعضها .
فأما أنه لا تفاوت إلا بالانقطاع ، فمن أين ؟ ولم لا يجوز أن يحصل ذلك بالتفاوت بالبطء والسرعة فيكون تحريك بعض القوة لكل الجسم أبطأ من تحريك كلها لكله ؟ ثم إنهما مع ذلك التفاوت يبقيان أيدا .
وثانيها : وهو أن بقاء ذات القوة الجسمانية وبقاء كونها مؤثرة في الحركة وبقاء الجسم قابلا لتلك الحركة ممكن أبدا وإلا فيلزم الانتقال من الإمكان إلى الامتناع . وإذا ثبت الإمكان بطل القول بامتناع الدوام .
وثالثها : إنا نعلم بالبديهة أن الأرض لو بقيت على طبيعتها أبدا ، لبقيت في المركز أبدا بطبيعتها . والمقدم حق أنه ممكن ، فالتالي كذلك .
وهم وتنبيه : محرك السماء إن كان عقليا صاحب الإدراكات الكلية ، امتنع أن يكون مبدأ للأفعال الجزئية لما ثبت أن الذاتي الكلى لا يصدر عنه
لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 165
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٥