أم هو بعلة ؟
وبعد أن ينتهى إلى أن اشتراك الكثرة والوحدة في الأشياء المحسوسة لا يمكن أن يكون عن مجرد اتفاق ومصادفة ، يثبت له أن ذلك لابد أن يكون بعلة منذ بدء كون الأشياء .
ثم ينتقل إلى بحث هذه العلة :
هل هي علة من ذات الأشياء ؟
أو أن الأشياء مشتركة بعلة أخرى خارجة عنها ؟
فإن كان الأول ، فإن العلة بعض الأشياء ، ويتحتم أن تكون أقدم منها جميعا ، وهي إما أن تكون وحدة فقط أو كثرة مشتركة مع وحدة .
وينشأ عن الفرضين الأولين التناقض ، كما تقدم .
أما الفرض الثالث ، وهو كونها كثرة مشتركة مع وحدة ، فهو ينحصر في :
أن يكون الاشتراك بينهما اتفاقا ومصادفة ، فيؤدى الأمر إلى التناقض ، أو أن يكون من ذاتهما ، فيؤدى هذا إلى أن يكون للاشتراك علة من ذاتهما ، وهكذا إلى غير نهاية ، وهو مستحيل ، لأنه لا يمكن أن يكون شئ بالفعل بلا نهاية .
فلم يبق إلا أن يكون للاشتراك علة أخرى غير ذاتهما ، تكون أعلى منهما وأشرف وأقدم ، لأن العلة قبل المعلول بالذات ، وتكون أيضا غير مشاركة لهما ، لأن المشاركة في المشتركات تحتاج إلى علة خارجة عنها ، وهذا يسير إلى غير نهاية ، وهو ممتنع في العلل . ويجب أن لا تكون هذه العلة مجانسة لهما ، لأن الأشياء التي من جنس واحد لا أحد منها أقدم من الآخر بذاته . فهي بناء على ذلك لا تشبه الأشياء ولا تشاكلها ، « بل هي علة كونها وثباتها » .
رسائل الكندى الفلسفية — صفحة 19
مساهمون: يعقوب بن يوسف الكندي
ص١٩