طبيعة لكن « 1 » لها طبع « 2 » ، والفرق بين الطّبيعة والطّبع مشهور . وذلك أنّ الطّبيعة تكون مبدءا لحركة ما هي فيه من غير شعور ، والطّبع يكون مبدءا مطلقا سواء كان له شعور أو لم يكن ، فكان الطّبع أعمّ من الطّبيعة . ولمّا كان الأمر كذلك وكان الطّبع ثابتا « 3 » لجميع الأجسام لا جرم ذكر الطّباع ، ولم يذكر الطّبيعة حتّى تكون الحجّة الّتى ذكرها في إثبات المبدأ المذكور عامّة .
وثانيها ؛ أنّه قال : « ولم يعرض له من خارج تأثير غريب » ؛ أراد بهذا إبطال ما يقوله المتكلّمون من أنّ اختصاص الأجسام بأحيازها إنّما كان لأنّ الفاعل المختار يخصّص كلّ واحد منها بحيّز معيّن .
فإنّ تخصيص المختار ذلك الجسم بذلك الحيّز إمّا أن يكون مع كون ذلك « 4 » الجسم مستحقّا لذلك الحيّز ، أو لا مع هذا الاستحقاق . فإن كان الأوّل فقد حصل المطلوب . وإن كان الثاني كان ذلك التّخصيص عارضا ممكن الزّوال ، لأنّ الاتّفاقيّات تكون ممكنة الزّوال . فإذا فرضنا انقطاع هذا التّأثير الغريب عن الجسم وجب أن يبقى الجسم لا في حيّز « 5 » .
وثالثها ؛ أنّه قال : « لم يكن له بدّ من وضع معيّن » ولم يقل : لا بدّ من موضع معيّن « 6 » ؛ لأنّا بيّنا أنّ لكلّ جسم وضعا وليس لكلّ جسم موضعا . فلمّا كان مقصوده إثبات المبدأ المذكور لجميع الأجسام ، لا جرم « 7 » ذكر الوضع دون الموضع .
وأمّا قوله : « فإذن فيه مبدأ استيجاب ذلك » ؛ فاعلم أنّ إثبات هذا المبدأ « 8 » يتوقّف على بيان أنّ اختصاص كلّ جسم بوضعه وشكله المعيّنين ليس لجسميّته « 9 » . وهذه مقدّمة بيّنة عند الشيخ « 10 » . وعلى أنّ ذلك ليس لأمر خارج عن الجسم ، وذلك قد بطل بما فرض الشّيخ الكلام في الجسم الّذى انقطع التّأثير الغريب عنه ، فلا جرم صحّت هذه النّتيجة . وإنّما قال : « فيه مبدأ استيجاب ذلك » ؛ ولم يقل : فيه مبدأ ذلك ؛ لأنّ ما كان مبدأ الشّىء يستحيل عدم ذلك الشّىء عند حصول ذلك المبدأ .
لكنّ الجسم قد يخرج عن مكانه الطّبيعى ويزول أيضا عنه شكله الطّبيعى مع بقاء طبيعته . فعلمنا أنّ الطّبيعة ليست مبدءا للحصول في ذلك الحيّز ، ولا لحصول ذلك الشّكل . بل هي لذاتها طالبة لأن
هامش
( 1 ) - لكن : - م .
( 2 ) - طبع : طبائع مص .
( 3 ) - الطّبع ثابتا : الأمر حاصلا م .
( 4 ) - كون ذلك : كون م .
( 5 ) - حيّز : الحيّز مص .
( 6 ) - ولم يقل . . . موضع معيّن : - مص .
( 7 ) - لا جرم : - مص .
( 8 ) - هذا المبدأ : هذا مص .
( 9 ) - لجسميّته : جسميّته مص .
( 10 ) - بيّنة عند الشّيخ : بيّنها الشّيخ مج .