تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الاشارات والتنبيهات — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
فكان لا يحصل المقادير من اجتماعها ، وذلك يوجب الجزم بأنّ هذه الأجسام المحسوسة غير متألّفة من تلك الأجزاء ، وأمّا الأوّل ، وهو أن يكون مقدار ذلك المجموع أعظم من مقدار الواحد ، فذلك يقتضى أن يكون كلّما كانت الأجزاء أكثر كان المقدار أعظم . وإذا ثبت ذلك فنقول : لا شكّ في أنّ هذه الأجسام المحسوسة متناهية في مقاديرها ، وأنّ نسبة بعضها إلى بعض نسبة متناهي المقدار إلى متناهي المقدار ، وذلك يقتضى أن تكون نسبة ما في أحدهما من العدد إلى ما في الآخر من العدد نسبة متناه إلى متناه ، وإلّا لم يكن التّفاوت في المقدار على حسب التّفاوت في العدد . فإذا كانت نسبة الجسم الّذى فرضناه متألّفا من أجزاء متناهية إلى الجسم الّذى زعم الخصم أنّه متألّف من أجزاء غير متناهية نسبة متناهي المقدار إلى متناهي المقدار ، وجب أن تكون نسبة أحدهما إلى الآخر نسبة متناهي العدد إلى متناهي العدد ، مع أنّ الخصم زعم أنّ « 1 » نسبة أحدهما إلى الآخر نسبة متناهي العدد إلى غير متناهي العدد ، هذا خلف . فثبت بطلان قول من قال : الأجسام مؤلّفة من أجزاء غير متناهية . ولنرجع إلى شرح المتن . أمّا قوله : « كلّ كثرة ، متناهية أو غير متناهية ، فإنّ الواحد والمتناهى فيها موجودان » ؛ فاعلم أنّ الكثرة قد يراد بها : الكثرة الحقيقيّة الّتى هي العدد ، وعلى هذا التّفسير كلّ عدد يكون كثرة ، وتكون الكثرة أحد نوعي الكمّ . وقد يراد بها الكثرة الإضافيّة مثل قولنا : الخمسة كثيرة بالقياس إلى الأربعة ، قليلة بالقياس إلى الستّة . وعلى هذا التّفسير لا يكون كلّ عدد كثيرا ؛ فإنّ الاثنين ليس كثيرا بالقياس إلى عدد دونه ، لأنّه « 2 » العدد الأوّل . ولا تكون الكثرة بهذا المعنى من مقولة الكمّ بل من مقولة المضاف . وإذا « 3 » عرفت ذلك فنقول : أمّا الكثرة الحقيقيّة فلا شكّ أنّ الواحد يكون فيها موجودا ؛ لأنّ الكثرة لا معنى لها إلّا مجموع الوحدات ، فإن لم تكن الوحدة حاصلة استحال أن تكون حاصلة مع غيرها . وحينئذ لم تكن الوحدات المجتمعة حاصلة ، فلم تكن الكثرة حاصلة . فثبت أنّ كلّ كثرة فإنّ الواحد يجب أن يكون موجودا فيها ، ولكن لا يجب أن يكون المتناهى موجودا فيها ؛ لأنّه إن أريد بالمتناهى المتناهى في المقدار لم يجب أن يوجد في كلّ كثرة متناه في المقدار . فإنّ العدد كما يعرض « 4 » للأشياء ذوات المقادير فقد يعرض « 5 » أيضا للأشياء المجرّدة عن المقادير . وإن أريد
هامش
( 1 ) - نسبة أحدهما . . . الخصم زعم أنّ : - مج .
( 2 ) - لأنّه : لأنّ م .
( 3 ) - وإذا : فإذا مص .
( 4 ) - يعرض : يفرض مج .
( 5 ) - فقد يعرض : فكذلك يعرض م . : فقد يفرض مج .
شرح الاشارات والتنبيهات — صفحة 15 | فخر الدين الرازي