أجزاء غير متناهية . وإنّما قال : « من النّاس من يكاد يقول بهذا التّأليف » ، ولم يقل من النّاس من يقول « 1 » بهذا التّأليف ، لأنّ أصحاب هذا المذهب زعموا أنّ كلّ ما يمكن في الجسم من الانقسامات فهو حاصل فيه بالفعل . وهذه القضيّة يلزمها بطريق عكس النّقيض : أنّ كلّ ما لا يكون من الانقسامات حاصلا بالفعل فهو غير ممكن الحصول .
ثمّ إنّهم أثبتوا في الجسم كثرة بالفعل ، ولا معنى للكثرة إلّا مجموع الأشياء الّتى كلّ واحد منها يكون في نفسه شيئا واحدا . وذلك إنّما يكون لو لم يكن في كلّ واحد من تلك الآحاد كثرة بالفعل .
فإذن من قال : الجسم مركّب من أجزاء لا نهاية لها بالفعل « 2 » ، فقد قال : بإثبات أمور كلّ واحد منها « 3 » لا يكون منقسما « 4 » . وقد بيّنّا أنّ على مذهبهم كلّ ما لا يكون منقسما فإنّه يمتنع أن ينقسم .
فإذن حاصل مذهبهم يرجع إلى أنّ الجسم متألّف « 5 » من أجزاء كلّ واحد منها لا يقبل الانقسام بوجه من الوجوه ، إلّا أنّها غير متناهية في العدد . فإذن لا فرق بين هذا المذهب وبين المذهب « 6 » الّذى مضى إبطاله في الفصل الأوّل ، إلّا في أنّهم زعموا أنّ الموجود في كلّ جسم من تلك الأجزاء عدد متناه ، وهؤلاء زعموا أنّ الموجود منها في كلّ جسم عدد غير متناه « 7 » . فهذا هو التّحقيق . لكن أصحاب هذا المذهب لا يعترفون بإثبات الجزء الذي لا يتجزّأ . فلمّا « 8 » كانت حقيقة مذهبهم هو « 9 » القول بالجزء ، وهم في الظّاهر غير معترفين به ، لا جرم لم يحك الشّيخ عنهم أنّهم يقولون : الجسم متألّف من أجزاء لا تتجزّأ ، بل حكى عنهم أنّهم يكادون يقولون : بأنّه مؤلّف من أجزاء لا تتجزّأ ، أي حقيقة مذهبهم ذلك ، وإن كانوا « 10 » لا يصرّحون به .
وأمّا الحجّة على فساد هذا المذهب « 11 » أنّ الجسم لو كان متألّفا من أجزاء غير متناهية في العدد لكان الجزء الواحد فيه موجودا ، لأنّه لا معنى للكثرة « 12 » إلّا اجتماع الوحدات . فإذا أخذنا عددا متناهيا من تلك الأجزاء الغير المتناهية : فإمّا أن يكون مقدار ذلك المجموع الحاصل من أعداد متناهية أزيد من مقدار الجزء « 13 » الواحد ، أو لا يكون . والثّانى باطل ، وإلّا لم يكن اجتماعها سببا لزيادة المقدار ،
هامش
( 1 ) - يقول : قال مج .
( 2 ) - بالفعل : - مج .
( 3 ) - يكون في نفسه . . . كلّ واحد منها : - مص .
( 4 ) - لا يكون منقسما : لا ينقسم م .
( 5 ) - متألّف : يتألّف مص .
( 6 ) - وبين المذهب : والمذهب م .
( 7 ) - وهؤلاء زعموا . . . غير متناه : - مص .
( 8 ) - فلمّا : فلو مج .
( 9 ) - مذهبهم هو : مذهب هؤلاء م .
( 10 ) - إن كانوا : إن كادوا م .
( 11 ) - المذهب : + فهو مص .
( 12 ) - للكثرة : لكثرة م .
( 13 ) - الجزء : - مج .