البحث الثّانى عن الإشارة . اعلم أنّ استقراء فصول هذا الكتاب يدلّ على أنّ كلّ قضيّة يحتاج في إثباتها إلى برهان منفصل ، فإنّ الشّيخ يسمّى الفصل المشتمل عليه بالإشارة . وكلّ قضيّة لا يحتاج في إثباتها إلى برهان منفصل ، بل يكفى في التّصديق بها تجريد موضوعها ومحمولها عن اللّواحق والعوارض ، فإنّه يسميّه تنبيها . كانت تلك القضيّة موجودة بالفعل ، إلّا أنّ الإنسان لا يعلم كونها عنده ، فيكفي فيه مجرّد التّنبيه .
البحث الثّالث عن أنّه لما ذا قال : « وهم وإشارة » ؛ ولم يقل : إشارة ووهم ؟ فلأنّ الإشارة ليست إلّا البرهان المبطل للرّأى الباطل المسمّى بالوهم ، وإقامة البرهان على إبطال الشّىء متأخّرة لا محالة عن تصوّر ذلك الشّىء . فلا جرم كان ذكر الوهم مقدّما على ذكر الإشارة .
وأمّا قوله : « كلّ جسم ذو مفاصل » ؛ فاعلم أنّه قضيّة موضوعها « 1 » : كلّ جسم ، ومحمولها :
ذو مفاصل « 2 » . وهي حكاية لمذهب المثبتين للجزء الّذى لا يتجزّأ . والمراد من الجسم ، الجسم الطّبيعى وقد عرفته . والمفاصل عبارة عن المواضع الّتى يمكن إيراد الفصل والقسمة « 3 » عليها . فإنّ الجسم إذا كان مؤلّفا من أجزاء كلّ واحد منها متميّز عن الآخر في ذاته ، كانت المواضع الّتى يمكن إيراد الفصل عليها حاصلة في الجسم ، فيكون لكلّ جسم « 4 » مفاصل موجودة بالفعل .
وأمّا قوله : « تنضمّ عندها أجزاء غير أجسام ، تتألّف منها الأجسام ؛ وزعموا أنّ تلك الأجزاء لا تقبل الانقسام لا كسرا ، ولا قطعا ، ولا وهما ولا فرضا ، وأنّ الواقع منها في وسط التّرتيب يحجب الطّرفين عن التّماس » ؛ واعلم أنّ المراد من ذلك ذكر صفات تلك الأجزاء الّتى حدث من تألّفها الجسم ذو المفاصل « 5 » . وتلك الصّفات ثلاثة « 6 » :
أحدها ؛ أنّ كلّ واحد منها ليس بجسم في نفسه ، وإن كان يحدث الجسم من تألّفها .
وثانيها ؛ أنّ كلّ واحد منها لا يقبل الانقسام . ثمّ إنّ لقبول الانقسام مراتب : فأشملها « 7 » الكسر ، ثمّ يليه القطع ، فإنّ الشّىء قد يكون صلبا لا ينكسر إلّا أنّه يمكن تقطيعه بآلات قطّاعة . ويليه الوهم ، فإنّ الشّىء قد يكون بحيث لا يقبل التّقطيع مثل الفلك ، فإنّ الكسر والقطع وإن امتنعا عليه ، لكنّ القسمة
هامش
( 1 ) - موضوعها : + وموضوع الجسم على الهامش م .
( 2 ) - ذو مفاصل : ذو المفاصل مص .
( 3 ) - القسمة : التّسمية مص .
( 4 ) - جسم : - مص .
( 5 ) - ذو المفاصل : دون المفاصل مج .
( 6 ) - ثلاثة : ثلاث م ؛ مص .
( 7 ) - فأشملها : فأسهلها مص .