فلينظر العاقل إلى عظمة هذه العوالم وإلى حقارة عالم المحسوس وما عليه من البحور والأشجار ، وقد ورد عن أهل اللّه بالاتفاق ان العالم الحسى بالنسبة إلى المثالي الواقع بين العالمين كحلقة ملقاة في بيداء لا نهاية لها . والعالم المثالي عندهم عالم روحاني من جوهر نوراني شبيه بالجوهر الجسماني من كونه محسوسا مقداريا ، وبالجوهر المجرد من كونه نورانيا ، وليس بجسم مادي ولا بجوهر عقلي ، لأنه برزخ وحد فاصل بينهما ؛ وكل ما هو برزخ بين الشيئين لا بد وان يكون غيرهما بل له جهتان يشبه بكل منهما ما يناسب عالمه . وقالوا : العالم المثالي يشمل على العرش ، والعرش على الكرسي ، والكرسي يشتمل « 1 » السماوات السبع والأرضين السبع وما في جوفهما من الأفلاك .
أقول : بحث العالم المثالي دقيق ، ومع دقته طويل ، والغرض من ذكره انه لو كان هناك عالم بين العوالم الروحانية والجسمانية بهذه السعة فكيف يكون سعة العوالم التي فوقه بمراتب غير متناهية ! ويعرف بهذه الصفة الجنة التي « 2 » الصورية ، قال اللّه تعالى فيها :
جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
« 3 » ، وقول النبي صلّى اللّه عليه وآله : يعطى كلّ مؤمن يوم القيامة من الجنّة مثل الدّنيا سبع مرّات « 4 » . وجنّة عرضها بهذه المثابة فكيف حال طولها ؟ ويعطى كلّ مؤمن سبع مرات مثلها ، فكيف يكون سعة تلك الجنة ! وإذا فرضنا هذا في الجنة الصورية فكيف يكون حال الجنة المعنوية التي هي فوقها بمراتب متعددة بل بمراتب غير متناهية ، لقوله تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
« 5 » .
والجنّات من أعظم نعم اللّه وكل ما يتصور الانسان دنى وآخره « 6 » فهو من نعمته كما قال تعالى :
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً
. « 7 » وعلى جميع التقادير ليست قابلة
هامش
( 1 ) - يشمل - ظ
( 2 ) - كذا .
( 3 ) - الحديد ، 21 .
( 4 ) - « البحار » ج 8 ، ص 147 بتفاوت .
( 5 ) - النحل ، 18 .
( 6 ) - دنيى وآخرة - ظ
( 7 ) - لقمان ، 20 .