وكذا الحال في الرحمة ، فان رحمته تعالى وجوده ليست لعوض ولا لغرض ، كما أن أحدا منا إذا اعطى فإنما يعطى ليأخذ عوضا اما جسمانيا مثل ان يعطى درهما ليأخذ خبزا ، واما روحانيا كأن يعطى المال لطلب الثواب الجزيل أو الثناء الجميل أو لطلب الإعانة أو الخدمة ، أو ليزيل حب المال عن نفسه ، أو ليدفع الرقة الجنسية عن قلبه « 1 » . وبالجملة فان كل من اعطى فإنما يعطى ليتوسل بذلك إلى كمال لم يكن حاصلا ، فيكون في الحقيقة استعاضة ولا يكون جودا وتفضلا . واما الواجب تعالى فإنه كامل لذاته ، وجميع كمالاته حاصل بالفعل ، فيستحيل ان يعطى ليستفيد به كمالا ، فهو الجواد المطلق والمنعم الحقيقي ، وهكذا الحال في سائر الصفات .
خاتمة وفيها فوائد :
الفائدة الأولى :
اعلم أن هذه السورة تبطل جميع المذاهب الباطلة في المبدأ .
فالآية الأولى : تبطل مذهب المشبّهة القائلين بأنه تعالى جسم . والآية الثانية : تبطل مذهب من قال : بتعدد المبدأ كالثنوية القائلين بالنور والظلمة ، والنصارى الذين يقولون بالتثليث ، والصابئين في الأفلاك والنجوم ، وقد عرفت وجه الدلالة . والآية الثالثة : تبطل مذهب اليهود في قولهم :
عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ
« 2 » ، والنصارى في المسيح والمشركين في الملائكة . والآية الرابعة تبطل مذهب المشركين الذين جعلوا الأصنام اكفاء وأندادا له ، تعالى عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا .
الفائدة الثانية :
اعلم أنه تعالى وصف في هذه السورة نفسه بوصفين يمكن الاستدلال بها على جميع صفاته تعالى ، بل نقول : يمكن الاستدلال بأحدهما فقط .
ولنتكلم في الصفة الأولى ، فنقول وباللّه التوفيق : لمّا ثبت انه تعالى أحد لا كثرة فيه أصلا سواء كانت كثرة قبل الذات كالكثرة بحسب الاجزاء ، أو كثرة مع الذات كالكثرة بحسب الماهية والانّية ، أو كثرة بعد الذات كالكثرة بحسب الذات والصفات ، ثبت انه
هامش
( 1 ) - في الأصل : عن نفسه قبله .
( 2 ) - التوبة ، 30 .