من كل الوجوه انما يكون صفة للواجب ، فثبت ان مفيض الوجود ليس الّا الواجب .
فان قيل : لم لا يجوز ان يكون الممكن بعد اكتساب الفعلية من الواجب يفيض الوجود على ممكن آخر ؟ قلنا : ان العقل يحلل الممكن الموجود إلى ما بالقوة وإلى ما بالفعل ، ثم نقول : ان ما بالقوة لا دخل له في اخراج الشيء من القوة إلى الفعل ، فيطرحه خلف قاف ؛ ثم ينظر إلى ما بالفعل فيحلله أيضا ان كان مشوبا بالقوة إلى أن ينتهى إلى ما بالفعل المحض ، وليس هذا الّا الواجب ، فثبت ان خالق شيء من الأشياء لا يكون الّا الواجب . وقد أثبتنا انه ليس في الوجود واجب غيره تعالى ، فثبت ان خالق الأشياء كلها هو اللّه تعالى .
وإذا ثبت انه خالق للعالم ثبت انه عالم بذاته وبجميع الأشياء معقولها ومحسوسها ، كلّيها وجزئيها ، لأنه تعالى لمّا كان مبدءا لجميع الموجودات التي منها العلماء بذواتها كان عالما بذاته بالضرورة ، لان الفاعل يجب ان يكون أكمل واشرف من اثره . فإذا ثبت انه عالم بذاته ثبت انه عالم بكل الأشياء أيضا ، لأنه مبدأ وعلة لها ، والعلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول . ولما ثبت انه خالق الأشياء وعالم بها وجب ان يكون قادرا مختارا لان التأثير بالايجاب انما هو فعل الطبائع العديمة الشعور .
وأيضا لمّا كان مبدءا لجميع الأشياء التي منها القادرون وجب ان يكون قادرا لوجوب كون الفاعل اشرف من اثره كما ذكرنا في العلم . وإذا ثبت قدرته واختياره ثبت انه مريد ، فان فعل القادر المختار مسبوق بالقصد والإرادة . وثبت أيضا كونه حيا ، لان الحي هو الذي يصح ان يعلم ويقدر ، وقد أثبتنا انه عالم وقادر وثبت أيضا كونه قيّوما ، لان معناه القائم بذاته المقوم لغيره ؛ وقد أثبتنا انه واجب لذاته ، فهو قائم بذاته ، وانه مبدأ للأشياء فكان مقوما لها . وثبت أيضا : انه تعالى متكلم فان معنى تكلّمه القاء الدال على المعنى المراد إلى الغير ، ومناطه ليس الّا العلم والقدرة ، وقد أثبتناهما . ولما ثبت انه موجد الأشياء وخالقها ثبت انه رحمان رحيم ، جواد كريم ، إلى غير ذلك من الأسماء التي تدل على جوده وفيضه وانعامه واحسانه أولا . [ الف - 10 ]
مجموعه رسائل فلسفى صدر المتألهين — صفحة 439
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص٤٣٩