والتحقيق في هذا المقام : أن الموجودات بعضها طبيعي وبعضها تعليمي وبعضها عقلي ؛ وكذا الافعال . فالفعل الطبيعي لا يكون الّا من فاعل طبيعي وهو الذي بحسب استحالته وتجدّده في مادة منفعلة متحركة . واما التعليمي فلا مدخل فيه للحركة والانفعال التجددي والمادة المنفعلة ، انما المحتاج اليه في ذلك الفعل مجرد الكميّة والوضع اللازم لها دون حركة ، والفعال للمؤثر والمتأثر بحسبه . وامّا الفعل العقلي فلا حاجة فيه إلى غير الفاعل وماهية القابل ان كان .
مثال الفعل الطبيعي كالتحريكات من التسخين والتبريد والتسويد والتبييض والتنمية والتغذية [ الف - 2 ] وأمثالها . ومثال الفعل التعليمي كالانارة والإضاءة والعكس والمحاذاة والمساواة والتربيع والتكعيب وسائر الأمور التي لا تحصل الّا دفعة لا على التدريج مع كمية مّا ومقدار مّا . ومثال الفعل الإلهي مطلق الايجاد والإفاضة والابداع والجود والرحمة .
إذا تقرر هذا فنقول : كلّ فعل طبيعي يصدر عن فاعله القريب فهو لا يكون الّا بالملاقاة بين فاعله ومنفعله ، فهو امّا ان يقع منه في قابله أو فيما هو بمنزلة قابله من جهة الاتصال به أو الامتزاج . الا ترى ان انفعال مشاعر الانسان بعضها طبيعي كاللمس والذوق فلا يحصلان الّا باتصال الملموس وامتزاج المطعوم ، وبعضها غير طبيعي كالبصر والسمع فلا حاجة فيهما إلى اللقاء بل وضع آخر . وبعضها غير طبيعي ولا تعليمي كالعقل والوهم فلا حاجة فيهما إلى الوضع مطلقا ؟
والسر في ذلك ان الفاعل الطبيعي بما هو فاعل طبيعي منغمر في المادة كل الانغمار ، ووجوده في نفسه [ هو ] بعينه وجوده في مادته على نحو الاستغراق والسريان بحيث يكون في كل جزء من المادة جزء منه ، كالصورة النارية أو الأرضية لا كالصورة الفلكية أو الحيوانية ؛ فلو سخّنت الحرارة الفاشية في النار جسما آخر من غير حاجة إلى ملاقاة وتماس إياه حتى يصيّر الجسمين كجسم واحد بالاتصال ، يلزم ان يكون وجودها في نفسها أيضا غير مفتقر إلى لقاء محله ؛ واللازم باطل وكذا
مجموعه رسائل فلسفى صدر المتألهين — صفحة 374
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص٣٧٤