المبرهن عليه يوجبه وكان لا برهان البتة ينقضه فنقول : من شأن الجسم المضئ بذاته أو المستنير الملوّن أن يفعل في الجسم الذي يقابله - إذا كان قابلا للشبح قبول البصر ، وبينهما جسم لا لون له - تأثيرا هو صورة مثل صورته من غير أن يفعل في المتوسط شيئا ، إذ هو غير قابل ، لانّه شفّاف » . هذا ما ذكره في هذا الموضع .
وقد ذكر هذا المعنى أيضا في الفصل المشتمل على المقدمات التي يحتاج إليها في معرفة الهالة وقوس قزح « 1 » . ولا يخفى ان ذلك منه مبالغة في بيان ان الفعل والانفعال بين الأجسام لا يتوقف على الملاقاة والمماسة ، مع أنه تصدّى في فصل حقيقة المزاج لإقامة البرهان على أن الفعل والانفعال لا يتمّان الّا باللقاء والتماسّ ، وانّه ليكثر تعجبي لوقوع أمثال هذه المناقضات الظاهرة لهذا الشيخ .
ومن الاشكالات : « انّ الشمس تسخّن الأرض ، مع أنها لا تسخّن الأجسام القريبة ، فانّها لا تسخّن الأفلاك ، وكذلك تضئ الأرض ، مع أنها لا تضئ الأجسام التي تتوسط بينها وبين الأرض ، لانّها شفّافة . فإذا كان كذلك فكيف يجوز للرجل الذكي مع هذه الاشكالات أن يجزم بأنّ الفعل والانفعال لا يتمّان الّا باللقاء والتماسّ ؟ » انتهى كلام المعترض « 2 » .
أقول : لا نسلّم وقوع التناقض في كلام الشيخ ، فانّ الذي منع فيه من وجوب الملاقاة والتماسّ هو مطلق الفعل والانفعال بين الجسمين ، والذي أوجب فيه ذلك تأثير وتأثّر مخصوصان ، أو تأثير وتأثّر بنحو خاص ، فانّ التأثير والتأثّر قد تكونان تدريجيتين ، وقد تكونان دفعيتين ، فالذي أوجب فيه الملاقاة هو فعل العناصر بعضها في بعض ، وفي الأمور التي هي كتمام ماهياتها مثل أوائل الملموسات كالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، وهي المتضادة المتفاسدة بحيث إذا استولى كل منها على حامل نقيض الآخر أفسده وأبطله .
هامش
( 1 ) - طبيعيات « الشفاء » ط الحجري ، ص 262 ، وط مصر ، ج 3 ، ص 40 .
( 2 ) - راجع « المباحث المشرقية » ج 2 ، ص 152 .