فالأخس والابعد فالأبعد حتى ينتهى إلى اخس الأشياء وهي الهاوية والظلمة ، والعائدة اليه تعالى على عكس ذلك الترتيب من الأخس فالأخس والأبعد فالأبعد إلى الأشرف فالأشرف والأقرب فالأقرب إلى أن ينتهى اليه سبحانه ، كما أشير بقوله :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ
« 1 » وقوله :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
« 2 » . فلكل منها غاية مخصوصة ينتهى إليها ، ولغايته أيضا غاية أخرى فوقها ، وهكذا حتى ينتهى إلى غاية لا غاية بعدها كما ابتدأت من مبدأ لا مبدأ قبله .
واما الأجوبة الحكمية عن تلك الشبهات على التفصيل لمن هو أهلها ومستحقها ، فهي هذه :
اما الشبهة الأولى : وهي السؤال عن الحكمة والغاية في خلق إبليس ؛ والجواب عنه : انه من حيث إنه من جملة الموجودات على [ ب - 2 ] الاطلاق فمصدره وغايته ليس الّا ذاته تعالى التي تقتضى وجود كل ما يمكن وجوده ، يفيض عنها « 3 » الوجود على كل قابل ومنفعل . واما من حيثية كونه موجودا ظلمانيا وذاتا شريرة وجوهرا خبيثا [ فليس ذلك بجعل جاعل ، بل هو من لوازم هويته النازلة في آخر مراتب النفوس ] وهي المتعلقة « 4 » بما دون الاجرام السماوية وهو الجرم النارى الشديد [ القوة ] ، فلا جرم غلبت عليه الأنانية والاستكبار والافتخار والإباء عن الخضوع والانكسار .
واما الشبهة الثانية : وهي السؤال عن حكمة التكليف بالمعرفة والطاعة ، والغاية في ذلك ، وكذا ما يتوقف عليه التكليف من بعث الأنبياء والرسل وانزال الوحي والكتب ؛ فالجواب عنه : ان الحكمة والغاية في ذلك تخليص النفوس من أسر
هامش
( 1 ) - السجدة ، 5 .
( 2 ) - الأعراف ، 29 .
( 3 ) - في الأصل : الذي يقتضى وجود كل ما يمكن وجوده يفيض عنه .
( 4 ) - في الأصل : المعلّقة .