واما الشبهة الرابعة : وهي السؤال عن لمّية تعذيب الكفار والمنافقين وايلامهم بالعقوبة وتبعيدهم عن ديار الرحمة والكرامة ؛ [ فالجواب عنها ] : ان العقوبات الأخروية من اللّه تعالى ليس باعثها الغضب « 1 » والانتقام وإزالة الغيظ ونحوها - تعالى عن ذلك علوّا كبيرا - وانما هي لوازم وتبعات ساق إليها أسباب داخلية نفسانية وأحوال باطنية ، انتهت [ إلى ] التعذيب « 2 » بنتايجها من الهوىّ إلى الهاوية والسقوط في أسفل درك الجحيم « 3 » ، ومن مصاحبة المؤذيات والعقارب « 4 » والحيّات وغيرها من المولمات . ومثالها في هذا العالم الأمراض الواردة على البدن الموجبة للاوجاع والآلام بواسطة نهمة سابقة . فكما ان وجع البدن لازم من لوازم ما ساق اليه الأحوال الماضية والأفعال السابقة من « 5 » كثرة الاكل وافراط الشهوة ونحوهما من غير أن يكون ههنا معذب خارجي ، فكذلك حال العواقب الأخروية وما يوجب العذاب الدائم لبعض النفوس الجاحدة للحق ، المعرضة عن الآيات ، وهي نار اللّه الموقدة التي تطّلع على الأفئدة . « 6 »
واما التي دلّت عليه الآيات والأخبار الواردة في الكتب الإلهية والشرايع الحقّة في العقوبات الجسمانية الواردة على بدن المسىء من خارج ، على [ ما ] يوصف في التفاسير فهي أيضا منشأها أمور باطنية وهيئات نفسانية ، برزت من الباطن إلى الظاهر ، وتصورت بصورة النيران والعقارب والحيّات والقوامع « 7 » من حديد وغيرها . وهكذا يكون حصول صور الأجسام والاشكال والاشخاص في الآخرة ، كما حقّق في مباحث المعاد الجسماني ، وكيفية تجسّم الاعمال ، ودلّ عليه كثير من الآيات مثل قوله تعالى :
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
، « 8 » وقوله :
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى
، « 9 » وقوله :
هامش
( 1 ) - في الأصل : العجب .
( 2 ) - في الأصل : أبى التعذب .
( 3 ) - في الأصل : في درك الأسفل الجحيم .
( 4 ) - في الرياض : من العقارب .
( 5 ) - في الأصل : في .
( 6 ) - الهمزة ، 7 .
( 7 ) - في الرياض : المقامع .
( 8 ) - العنكبوت ، 54 .
( 9 ) - النازعات ، 36 .