لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
« 1 » ، ولا مجال للعقل في تحسين الافعال وتقبيحها بالنسبة اليه ، بل يحسن منه كلّ ما يفعل في ملكه ؛ لأنه يفعل في ملكه لا في ملك غيره ؛ وهذه الأسباب التي ارتبط بها وجود الأشياء بحسب الظاهر ليست أسبابا بالحقيقة ولا مدخل لها في الوجود لشيء ، بل انما هي أسباب عادية جرت سنّة اللّه وعادته بأن توجد تلك الأسباب ، ثم توجد عقيبها مسبباتها ، وكلها صادرة منه ابتداء من غير ترتّب بعضها على بعض وتوقّف بعض على بعض . وقالوا : في ذلك تعظيم لقدرة اللّه وتقديس له عن شوائب النقصان في الحاجة إلى غيره .
ولا شك ان هذا المذهب فيه ابطال للحكمة والترجيح ، وعزل للعقل عن قضاياه على الرأي الصحيح ، وسدّ لاثبات الصانع ، وغلق لأبواب الفكر في الصانع . وأيضا فيما ذكروه تجويز للظلم على الباري ، ووضع « 2 » الأشياء في غير مواضعها ، حتى أنه يجوز عليه عندهم تعذيب الأنبياء عليهم السّلام عقلا ، وتكريم الكفار في دار القرار ، واخذ الصاحبة والولد والشريك ، إلى غير ذلك من المفاسد القبيحة التي مبناها على ابطال الحكمة والعقل ، وفي ابطاله ابطال النقل أيضا ، لان اثبات النقل انما يكون بالعقل . تعالى الباري القيوم عما يقولون علوّا كبيرا .
[ المذهب الثالث ]
وذهب آخرون إلى أن اللّه تعالى قادر على كل شيء ، لكن الأشياء في قبول الوجود متفاوتة ، فبعضها لا يقبل الوجود الّا بعد وجود الآخر ، كالعرض الذي لا يوجد الّا بعد وجود الجواهر ، وكالمركب الذي لا يوجد الّا بعد وجود البسيط . فقدرته تعالى في غاية الكمال تفيض الوجود على الممكنات بحسب قابلياتها المتفاوتة . فبعضها صادر عن قدرته بلا سبب ، وبعضها بسبب أو أسباب . وليس في ذلك لزوم الاحتياج له تعالى في ايجاد ذي الوسط إلى ذلك الوسط حتى يكون ذلك الوسط كالآلة فيمن
هامش
( 1 ) - الأنبياء ، 23 .
( 2 ) - ط : وضعه .