وحيث كان المعاد عودا ورجوعا إلى الفطرة الأولى فينبغي ان ينتفى منه أولا الإرادة حتى تستهلك ارادته في إرادة الحق ، موجده « 1 » الواحد المطلق ، ويستغرق فيها بحيث لم يبق منه إرادة أصلا ، لان وجود جميع الممكنات انما يقع تبعا لإرادة الحق سبحانه الذي هو الفياض الحق . وإذا ثبت وتحقق له هذا الاعتقاد وتيقّن به حصل له مقام الرضا بما قضى اللّه ، واستراح « 7 » نفسه من الآلام ووالأحزان ، فيكون « 2 » في الجنة لكونه مطيعا لامر اللّه ، راضيا بقضائه ،
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ
« 3 » .
والدليل على أن من رضى اللّه « 4 » بما قضى اللّه تعالى يكون ابدا في الجنّة هو ان رحمته واسعة والفيض عام ، وكلّ ما قضى اللّه تعالى يكون خيرا وكمالا بحسب الواقع ، والشرور الجزئية الواقعة في الدنيا والآخرة حاصلة بالعرض . اما الواقع منها في الدنيا فلأجل مصادمات أسباب اتفاقية وعلل قسرية وجودها يكون على سبيل الندرة لبعض الاشخاص ، لازمة لأمور في وجودها خير كثير يتبعه شر قليل . واما في الآخرة فحيث لا يكون الأسباب والعلل هناك الّا ذاتية ، فسبب الشر هناك ليس الّا الكفر والمعاصي المؤدية إلى ردائة « 5 » الخلق ، وكل ذلك ينافي صفة الرضا بالمقضى .
فمن يرضى بقضائه تعالى لا يصادف شرا ولا يصادفه شر في الآخرة ، لانتفاء ذينك السببين للشر بالقياس اليه ؛ كيف وقد ثبت ان وضع العوالم والنشئات على أبلغ نظام في الخير والتمام ، فلا قصور ولا شر الّا في نظر المحجوبين ؛ فإذا خلص من أغاليط الوهم ووساوس الشيطان وصح ادراكه العقلي رأى الأشياء في غاية الحسن والجودة والنظام والخير ، وكل خير لذيذ لا محالة لمن ادركه ملائما وحسنا فيكون راظيا به « 6 » .
هامش
( 1 ) - م : موجد .
( 7 ) : كذا ، في النسخ
( 2 ) - م : فيكون أبدا .
( 3 ) - ق ، 35 . وفي النسخ : لهم فيها ما يشاؤون .
( 4 ) - كذا ، والظاهر زيادة « اللّه » .
( 5 ) - م وش : إرادة .
( 6 ) - م ، ش : راطبا