على ضد ذلك ، يكونون مجبورين بالعذاب الشديد ، المضطرين بالمحن العظيمة ، معلّقين بيد المالك بالسلاسل والاغلال ، ليكون لكل من السعداء والأشقياء نصيب من الاختيار .
مكاشفة
لمّا بيّن [ ب - 5 ] في مقامه ان جميع ما هو ثابت في العالم الأدنى « 1 » والمرتبة السفلى من الأحوال والصفات فهو ثابت في العوالم الاعلى والمنزلة القصوى على وجه ارفع واصفى ، حتى أن التضاد الواقع في العالم الأدنى الذي يتصف به أصحاب الشمال ويكون منشأ تعذيبهم يوجد في أهل الجنان وأصحاب اليمين ، لكن ملابستهم إياه ليس على وجه التضاد الحقيقي ، بل على وجه شبح ومثال للتضاد ، فان التضاد في عالم التفرقة يوجب الفساد والزوال ، وفي عالم الجمعية يوجب التمام والكمال ، ولا يوجب العذاب والنكال . فتضاد أهل الجحيم كحرارة السموم وبرودة الزمهرير ، وتضاد أهل الجنة :
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً .
يُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا
« 2 » . فالكافور والزنجبيل ليسا متضادين في حقهم ، لان عالمهم ارفع من عالم التضاد ، وكذلك التنازع الواقع بينهم ليس الّا تنازعا مجازيا مثاليا لا حقيقيا ،
يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ
« 3 » ، لصفاء قلوبهم وارتفاع جواهرهم عن « 4 » عالم التضاد ومضيق التصادم ،
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
« 5 » .
واما مخاصمة أهل النار فهي حقيقية :
إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ
« 6 » . ولذلك :
كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها
« 7 » . فقد علم مما ذكر ان المتضادين قد يكونان منشأ لارتياح
هامش
( 1 ) - م وش : الأولى
( 2 ) - الدهر ، 5 و 17 .
( 3 ) - الطور ، 23 .
( 4 ) - م وش : من
( 5 ) - الحجر ، 47 .
( 6 ) - ص ، 64 .
( 7 ) - الأعراف ، 38 .