وإذ لا نجاة للشخص من نفسه وذاته ، فكيف من لوازمه وحالاته ؟
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
« 1 » . واى عذاب اشدّ من أن يكون الشخص متعذبا « 2 » من نفسه ، فكيف معاقبا بمعصية هي ذاته ووجوده ؟ ! « وجودك ذنب لا يقاس به ذنب » . فلا جرم يكونون ابدا في الجحيم بين أمور متضادة كالسموم والزمهرير ، يترددون في الهاوية بين طرفي التضاد ، فان الهاوية من سنخ هذه الدار ، كما أشير اليه ، يبرز يوم القيامة عند كشف الغطاء :
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى
« 3 » . فمن كان فيها فهو متعذب تارة بأحد الضدين وتارة بالآخر :
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ
« 4 » . وانّهم لمّا كانوا اوّل الامر في الدنيا خارجين عن قيد الشرع وعقال العقول ، مسترحين « 5 » في ارض الشهوات ، خالعين عذار العقل وزمام الشرع ، فلا جرم يقيّدون في الآخرة بالسلاسل والاغلال ، يعذّبون بفنون العذاب والنكال ، يحتجبون « 6 » بأنواع الحجب :
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها
« 7 » . واما الأبرار فلهم الارتقاء من كمال إلى كمال ، لهم من فوقهم غرف ومن تحتهم ، وهم المتخلصون المتنزهون من عذاب أهل التضاد ،
لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 8 » .
وههنا دقيقة لأهل الاعتبار ، وهي ان السعداء حيث كانوا في الدنيا مجبورين على طاعة الحق وامتثال أوامر الله ورسوله :
ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
« 9 » ، فلا جرم تكون لهم الخيرة في الآخرة مطلقا :
لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ
« 10 » .
فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
« 11 » .
وحال الأشقياء بالعكس من ذلك كما مرّ ، حيث كانوا في الدنيا متمردين عن طاعة اللّه ، مستبدين « 12 » برأيهم ، غير مقيّدين بقيود شرعية ولا عقلية . وفي الآخرة
هامش
( 1 ) - النساء ، 56 .
( 2 ) - م : معذّبا .
( 3 ) - النازعات ، 36 .
( 4 ) - الزمر ، 16 .
( 5 ) - مسرّحين - ظ .
( 6 ) - م : محتجبون .
( 7 ) - السجدة ، 20 .
( 8 ) - يونس ، 62 .
( 9 ) - الأحزاب ، 36 .
( 10 ) - الفرقان ، 16 .
( 11 ) - الزخرف ، 71 . وفي النسخ : تشتهى .
( 12 ) - م : مستندين .