ما يكون سبب عقوبتهم وآلامهم دائما ابدا الّا ما شاء اللّه ، كما قال سبحانه في قصة ابن نوح :
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
« 1 » . وفي الخبر : خلق الكافر من ذنب المؤمن . ويؤيّد هذا كلام فيثاغورس الحكيم : انه سيعرض لك في اقوالك وافعالك وسيظهر لك في كل حركة قولية أو فكرية أو فعلية [ صور روحانية وجسمانية ] إلى آخره . ونظائره كثيرة في الأحاديث والاخبار والآثار ، ومنشأ ذلك كما نبّهنا لك مرارا ان من « 2 » كيفية تجسم الاعمال والاخلاق في الآخرة ليست من جنس هذه الدار ، بل هذه دار الشهادة وهي دار الغيب ، وهذه هي الماهية الجاهلية وهي الجنّة العالية ،
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
« 3 » .
وذلك لان مواد الاشخاص الأخروية هي التصورات الباطنية والتأملات القلبية كما يظهر من كلام فيثاغورس وغيره من الاخبار والأحاديث ، كحديث : إنّ الجنّة قاع صفصف ، وإنّ غراسها سبحان اللّه « 4 » . فالانسان إذا انقطع عن الدنيا وانكشف عنه الغطاء وتجرد عن مشاعر هذا العالم ، كانت رؤيته الباطنية ناهضة ، وكان الغيب بالقياس اليه شهادة :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
« 5 » .
وللتنبيه على أن الحياة الدنيا واستعمال هذه الحواس مانعة عن الوصول إلى الحياة الأخروية واستعمال المشاعر الباطنية وان الانسان ما لم يمت عن هذه الحياة لم يحى بحياة الآخرة قال سبحانه :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً [ فَأَحْيَيْناهُ ] وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
« 6 » فقد غلبته « 7 » سلطان الآخرة على باطن الانسان ينقلب العلم في حقّه عينا ، والغيب شهادة ، والسر علانية ، ويرى الأشياء كما هي . فكل أحد [ الف - 4 ] من الناس يكون بعد كشف غطائه ورفع حجابه ومدّ بصره مبصرا لنتائج اعماله ، مشاهدا لآثار افعاله ، قارئا لصفحة كتابه ، مطلقا « 8 » على
هامش
( 1 ) - هود ، 46 .
( 2 ) - من أن - ظ .
( 3 ) - العنكبوت ، 64 .
( 4 ) - راجع « سنن الترمذي » ج 5 ، ص 510 .
( 5 ) - ق ، 22 .
( 6 ) - الانعام ، 122 . وفي النسخ : ميتا فجعلنا . . .
( 7 ) - كذا ، والصحيح : فعند غلبة .
( 8 ) - مطّلعا - ظ .