فنقول إذا جوزتم ذلك فلم لا يجوز أن يكون اقتضاء الجسمية لذلك التحريك بشرط حصول حالة متنافرة حتى يتجدد أجزاء الحركة بسبب القرب والبعد من تلك الحالة المنافرة وينقطع الحركة عند زوالها وحينئذ لا يمكن أن يدفع ذلك إلا بأن يقال لو كانت الجسمية لذاتها يطلب حالة مخصوصة كان كل جسم كذا وهذا هو الحجة الخامسة فإذن يحتاج في تقرير تلك الطرق الثلاثة إلى الاستعانة بالطريقة الرابعة فلنتكلم عليها فنقول كل جسم فله مقدار وصورة وهيولى أما مقداره فهو الأبعاد الثلاثة ولا شك أنها طبيعة مشتركة بين الأجسام كلها وأما الصورة الجسمية فلا بد من إقامة البرهان على أنها واحدة في الأجسام كلها وذلك لأنها لا يمكن أن يكون عبارة عن نفس القابلية لهذه الأبعاد لأنها أمر إضافي والجسمية من مقولة الجوهر فكيف يكون نفس هذه القابلية بل تلك الصورة عبارة عن ماهية جوهرية يلزمها هذه القابلية وإذا ثبت أن الجسمية أمر يلزمه هذه الأبعاد فمن الجائز أن يكون مختلفا في الأجسام وإن كانت مشتركة في هذا الحكم والأمور المختلفة يجوز اشتراكها في لازم واحد ثم إن سلمنا أن الأجسام مشتركة في الصورة الجسمية ولكنها غير مشتركة في مادة الجسم فهب أن الجسمية ليست علة للحركة فلم لا يجوز أن يكون هي مادتها المخصوصة فإن قيل إن المادة قابلة ليست فاعلة كان رجوعا إلى الحجة الأول أقول هذا الاعتراض بتمامه لصاحب كتاب الملخص وقد تكلم أيضا في الحجة الأولى بما لا فائدة في إيرادها بعد ما يمكن دفعها بأصول مذكورة في هذا الشرح ونحن قد دفعنا اعتراضه المذكور في كتاب الأسفار مستقصى من أراد فليرجع إلى هناك لكن الذي لا بد من بيانه هاهنا هو تتميم الحجج الثلث من غير استعانة فيها بالحجتين الباقيتين وهو أن كل فاعل مستقل لا يفتقر فعله إلى قابل غيره فلا يمكن أن يكون فعله مختلفا ولا متغيرا ولا منقطعا ما دام الفاعل موجودا فإذا فرض كون الجسمية علة مقتضية للحركة من غير موضوع مغاير لزم التوالي الثلاثة من امتناع السكون واجتماع أفراد الحركة وعدم حدوث الحركة أو كونها دفعية واللوازم كلها باطلة بديهية فكذا الملزوم بيان اللزوم ما أشرنا إليه من أن السبب للشيء إذا كان محض الفاعل الموجب كان حكم بهذا الحكم وليس معه ما يزيله عن حكمه إذ كل ما يفرض فيه يكون نفسه وإلا يلزم خلاف المقدر حتى إن الجسم لو فرض كونه سببا فاعليا لمقداره بلا قابل غيره أو قابلا له بلا فاعل غيره لم يمكن أن يكون جزؤه المقداري مخالفا لكله وذلك لعدم سبب الاختلاف فحينئذ لم يكن المقدار مقدارا إذ كل مقدار لا بد أن يكون جزؤه مخالفا لكله فعلم من هذا أنه إذا لم يكن الفاعل والقابل أمرين متغايرين لا يمكن حصول الاختلاف في الأفاعيل أصلا وأما إذا كان العنصر غير الفاعل فيمكن الاختلاف فيها بحسب لحوق أمور خارجية فإن العنصر من حيث هو عنصر شأنه الإمكان فقط فلا يقتضي شيئا أصلا ولا يأبى عن شيء والفاعل إذا كان بسيطا لا يقتضي إلا غير مختلف ثم البرهان قائم على وجود العناصر والقوابل لتحقق الحدوث على وجود الحركات والأفعال فإن كان السبب عنصرا فقط فلا يمكن وجود حادث إذا الشيء ما لم يجب لم يوجد وإذا كان فاعلا فقط فلا يمكن التغير واللازم في كلا القسمين باطل فبقي أن يكون السبب اثنين متغايرين أحدهما الثابت الموجب للبقاء والثاني المتغير الممكن للزوال بسبب أمر آخر غير الفاعل المقتضي للزوال ومن جوز كون الصورة الجسمية أو شيء آخر مجردا عن المادة يفعل شيئا متغيرا فقد أثبت المادة من حيث نفاها وهو لا يشعر ثم زاد في الطنبور نغمة وقال إن الفلك غير قابل للكون والفساد فيكون ما له من الشكل والوضع واجب الحصول له فذلك إن كان لجسميته مع أنه لم يلزم أن يكون كل جسم كذلك فليكون الحركة أيضا لجسمية وإن لم يكن كل جسم متحركا وإن كان لأمر في الجسمية فذلك الأمر إن لم يكن ملازما لها لم يكن اللازم بسببه ملازما للجسمية وإن كان ملازما عاد التقسيم ولا ينقطع إلا بأن يقال تلك الأوصاف غير لازمة لجسمية الفلك ففيه تجويز للخرق والفساد أو أنها لازمة للجسمية المطلقة إما بغير واسطة أو بواسطة ما يلزمها مع أن تلك الأوصاف غير مشتركة في الجميع فليكن الحركة كذلك وإن قيل إن تلك الملازمة لما حلت
فيه الجسمية وهو المادة فإن الأفلاك لكون مادتها مخالفة لسائر المواد كانت مقتضية لتلك الأشكال والمقادير والجسمية أيضا حصلت الملازمة بين الجسمية وتلك الأمور فعلى هذا نقول لم لا يجوز أن يكون لبعض الأجسام مادة مخصوصة مخالفة لسائر المواد وهي لذاتها يقتضي حركة مخصوصة ولا يلزم منه اشتراك الأجسام في ذلك انتهى أقول هذه مغالطة مبناها على الغفلة عن أحوال الماهية وكيفية ارتباط الجنس وما يجري مجراه بالفصل وما يجري مجراه من الأمر المحصل إياه نوعا محصلا في العقل أو الخارج وعن معرفة أن الصورة الفلكية بل كل صورة من الصور المخصوصة التي هي المحصلة للجسمية التي في الأنواع المحصلة وكذا كل فصل لنوع هو المحصل الماهية الجنس الذي فيه وكل صورة هي المفيدة للمادة المخصصة بها لا أن الجسمية علة للصورة أو الجنس علة للفصل فليست جسمية
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 248
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص٢٤٨