الصورة التامة فهي ما لم يبق لها أمر بالقوة كالأشكال وغيرها من الأمور التي لا اشتداد وتضعف فيها قوله وقد علمت أن الشيء الواحد إلى آخره اعلم أن بين هذه العلل الأربع مناسبات كثيرة منها أن كل واحد من الفاعل والغاية سبب للآخر بوجه فالغاية وجه سبب للفاعل وكيف لا وهو الذي يجعل الفاعل فاعلا ولذلك إذا قيل لم ترتاض فتقول لأصح وإذا قيل لم صححت فنقول لأني ارتضت فالرياضة سبب فاعلي للصحة والصحة سبب غائي للرياضة فالفاعل علة لوجود ماهية الغاية في العين لا لكون الغاية غاية والغاية علة لكون الفاعل فاعلا ومنها أن كل واحدة من المادة والصورة سبب للآخر بوجه كما مر ومنها أن بعض هذه العلل قد يتحد ببعض كما سيجيء أن فاعل الكل بعينه غاية الكل وجودا وعقلا وقد أفاد الشيخ في الطبيعيات أن الشيء الواحد يكون صورة وغاية ومبدأ فاعليا بوجوه مختلفة سواء كان في الأفاعيل الطبيعية أو في الصناعيات أما في الطبيعية فإن في الأب مبدأ لتكون الصورة الآدمية من النطفة وهو صورته الآدمية لا شيء آخر منه وليس الحاصل في النطفة إلا صورة أمية وهي أيضا الغاية التي يتحرك إليها النطفة لكنها من حيث تقوم المادة ويحصل منهما نوع الإنسان صورة ومن حيث يبتدئ تحريكها منه فهي فاعلة ومن حيث ينتهي تحريكها إليه فهي غاية وأما في الصناعة فإن الصناعة عبارة عن وجود صورة المصنوع في النفس على وجه يكون ملكة راسخة يصدر بها من النفس صورته الخارجية متى شاء من غير كلفة فالبناء في نفسه صورة البيت وصورة مبدأ الذي منه يتوصل إليه من الحركات وموادها فما في نفسه من صورة البيت وصورة الحركة هو المبدأ الذي يصدر عنه حصول الصورة في مادة البيت بالفعل عند تمام الحركة بعد أن حصلت بالقوة عند الحركة فصورة البيت صورة من جهة تكميل المادة بها وغاية من جهة انتهاء الحركة إليها وفاعل من جهة أن ابتداء الحركة منه وكذا الصحة هي صورة البرء في الخارج وصورته في نفس الطبيب هي معرفة العلاج التي هي صورة البرء وصورة ما يتوقف عليه البرء فالتي منها في الخارج هي صورة يستكمل بها المادة البدنية القابلة للصحة والمرض ويتركب منها ومن المادة ماهية الصحيح تنوعا صنفيا فيكون علة صورية باعتبار آخر وهي أيضا غاية لانتهاء الحركة إليها والتي منها في نفس الطبيب فاعل من حيث يبتدئ الحركة منه وعلة غائية باعتبار آخر من حيث يجعل الفاعل المباشر فاعلا ولا منافاة بين كون الشيء فاعلا بعيدا وعلة غائية قريبة كما يوضح قوله والفاعل الناقص يحتاج إلى حركة وآلات إلى آخره لا يذهب إلى أحد أن الفاعل المقتضي لشيء من الخارج سيما الذي يفعل لغاية أو يفعل بشعور وإرادة لا بد أن يكون في ذاته صورة ذلك المعلول يوجه من الوجوه أولا لما اقتضاه لذاته ثم لا يخلو الفاعل إما أن لا يحتاج في إفادته لصورة المعلول في الغير إلى آلة وحركة أو يحتاج إليهما والأول هو التام والثاني هو الناقص فالفاعل التام هو الذي يكون الصورة التي للمعلول ذاته مستتبعة لوجود تلك الصورة في مادتها فقوله والكامل معناه وأما الفاعل الكامل واعلم أن توقف الفعل في نفسه إلى المادة لا ينافي كون الفاعل تاما لأن ذلك من الأمور التي يرجع إلى نقص في المعلول كالإمكان ونحوه لكون وجوده غير قائم إلا بمادة لا إلى نقص الفاعل فالفاعل التام لا يحتاج في الفاعلية إلى المادة بل المعلول قد يفتقر في نحو وجوده الناقص إلى مادة واستعداد قوله ويشبه أن يكون الأمور الطبيعية إلى آخره لما علمت أن الفاعل يجب أن يكون عنده صورة المعلول سيما إذا كان للفاعل غاية وحينئذ يرد الإشكال في الأفاعيل الطبيعية كحركة العناصر على أحيازها وحركات النباتات كما وكيفا كالتشكلات والألوان والطعوم والروائح وغيرها إذ صورتها ليست في نفس الفاعل لأن فاعلها الطبائع التي هي عديمة الشعور وللحكماء هاهنا قولان أحدهما إثبات الشعور لهذه الطبائع سيما النباتية وإن كان شعورا ضعيفا وثانيهما هو أن هذه الطبائع ليست فاعلة بالاستقلال بل هي بمنزلة القوى المسخرة للعلل المتقدمة عليها فتلك العلل تفعل الطبائع وتفعل بها الأمور الطبيعية من المواد والأعراض والآثار فهذه الأمور الطبيعية صورها عند المبادي المتقدمة والشيخ كأنه جمع بين
القولين وهو أن صور هذه الأمور عند المبادي العالية بنوع أعلى وأقوى وعند الطبيعة الفاعلة بالتسخير بنوع أدنى وأضعف كما ستعلم من بعد عند إثبات الغايات للأفاعيل قوله وأما الغاية فهي ما لأجله يكون الشيء وقد علمته فيما سلف وقد يكون عرف الغاية بأنها ما لأجله يكون الشيء والمراد ما لأجله كون وجود الشيء الذي هو المفعول عن فاعله وأشار بقوله وقد علمته فيما سلف إلى ما ذكره في الطبيعيات في الفصل الثاني من المقالة الأولى المعقود في تعديد المبادي الطبيعيات على سبيل المصادرة والوضع قوله وقد يكون إلى آخره تقسيم للغاية بحسب وجودها في الخارج الذي هي باعتباره قد تكون متأخرة عن الفعل أيضا فذلك في عالم الأكوان والحركات وهو أن الغاية قسمان لأنها في بعض الأشياء في نفس الفاعل وفي بعضها في شيء غير نفس الفاعل والقسم الثاني ينقسم إلى قسمين لأن التي ليست في نفس الفاعل قد يكون في القابل وهو الموضوع هاهنا وقد يكون في غيره فهذه ثلاثة أقسام الأول الغاية
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 250
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص٢٥٠