بالمشايعة ليست فعل الفاعل بالذات كالطبع أو الإرادة أو القسر وإنما هي حركة بالعرض كما صرح به والحركة التي بالعرض لا ينسب إلى فاعل بالحقيقة ولذلك لا يحتمل كونها أسرع وأبطأ من التي يتبعها بحسب المجاورة كحركة جالس السفينة لحركة السفينة القائمة بها وأما الشق الأول من الترديد الثاني من هذا الباب وهو الذي يكون فيه الاستعداد تاما يندرج فيه الأقسام الثلاثة من جملة الخمسة فالحكم هاهنا بجواز كون المنفعل مساويا للفاعل كالنار إذا أحالت الماء نارا فإن مادة الماء كمادة النار أعني الهيولى الجسمانية في قبول الصورة الأسطقسية ولها الاستعداد الذاتي لأحدها من غير معاوق في جوهرها نعم بعد تصورها بإحدى الصور يختلف استعدادها الثانوي لقبول سائر الصور والأعراض وكذلك الحال في تأثير الملح فيما يقع في المملحة وانسلخ عن الصورة التي كانت له كصورة العسل وغيرها فحصل لمادته استعداد التام لقبول الصورة المملحية من غير مانع فقلبت مثل تلك الصورة ومساويا لها في الكيفية القابلة للشدة والنقص أعني الملوحة والحق أن هذا القسم لا يتصور زيادة للمنفعل على الفاعل وأما المثال الذي ذكره المجوزون للزيادة هاهنا فليس مما نحن فيه لأن تأثير الهواء البارد في تجميد الماء ليس تأثيرا من فاعل في منفعل تساويه في المادة واستعداده فإن مادة برودة الهواء هي نفس الهواء ولبرودة الماء هي نفس الماء لأن البرودة بالفعل عرض غير لازم لهما والموضوعان مختلفان وسيعلم الحال في مثل هذا المثال لكن الشيخ جعل الاختلاف بينهما في قبول البرودة راجعا إلى حال الفاعل لا إلى حال القابل فجعل الفاعل لبرودة الماء مجموع البرودة الهوائية والطبيعة المائية المبردة بالقوة وهذا أيضا موجه وهو مما يعنينا في شيء من الأبحاث الآتية قوله وأما القسم من هذا الباب الذي يكون استعداد المنفعل إلى آخره هذا هو القسم الأخير من أقسام الخمسة وهو الشق الثاني من الترديد الثاني أعني القابل لما يكون الاستعداد في المنفعل تاما الذي انقسم إلى ثلاثة أقسام واعلم أن المنفعل فيه يجب أن يكون مشتملا على طبيعة تضاد أو تمانع ما يقبله ولا يكون قابلا محضا لما يقبله من غير معاوق فيه لما يقبله كالمادة الأولى للصورة النارية أو كالجسم الشفاف لقبول الألوان أو كالجسم التفه لقبول الطعام وإلا لكان من جملة أقسام التام الاستعداد فالحكم فيه أنه لا يقبل للذي تساوى لما في الفاعل ولا للذي يزيد على ذلك على طريق الأول بل لما ينقص عن ذلك لأن بديهة العقل حاكمة بأن الحاصل في مادة لا يكون فيها قوة مضادة له والحاصل في مادة وفيها قوة مضادة له لا يكون متساويين البتة بأن يبطل حكم الممانع حين هو موجود إلا أن يبطل الممانع رأسا فيعود إلى القسم التام الاستعداد كالنار إذ الفعل منها ماء واشتد انفعاله منها حتى بطلت طبيعة المائية وصار نارا محضا مثل تلك النار فصار الاستعداد في المنفعل تاما بعد ما كان ناقصا ولأجل ذلك أي لأجل كون المنفعل إذا كان فيه ما يمانع الفعل لا يساوي فيما يقبله من الفعل لما في الفاعل لا يمكن أن يكون شيء غير النار ما دام كونه غير النار يقبل من النار سخونة تلك النار ولا شيء غير الماء يقبل البرودة منه ويكون برودته أكثر من برودة الماء أو مثله لأن العنصرين الفاعلين للتسخين والتبريد خاليان عن مضاد ومعاوق في جوهريهما فلكل منهما الاستعداد التام لما يقبله من السخونة أو البرودة لخلوه عن المعاوق واقترانه بالمقتضي لكون القوة الفاعلة للتسخن والتبرد موجودة فيهما داخلة في ذاتهما غير غريبة وليس كذلك حال ما ينفعل عنهما لاشتماله على ممانع مضاد لأن المفروض كون المتسخن من النار غير النار فله طبيعة مضادة للنارية وكون المتبرد من الماء جوهرا غير الماء فله صورة مخالفة للمائية والفاعل الأول لما يقبله أمر خارج عن جوهر القابل لما ينفعل وإنما يفعل ذلك الخارج فيه وبتوسط ما هو كالآلة من كيفية محسوسة كالسخونة في النار المسخنة والبرودة في الماء المبرد فاستحال أن يساوي المنفعل فيما يقبله من الكيفية لما في الفاعل منها
و
هاهنا أبحاث
ينبغي أن ينبه عليها
[ البحث ] الأول
إنا لا نسلم أن فعل الفاعل الطبيعي فيما هو خارج عنه كالنار في التسخين والماء في التبريد لما يقبلهما إنما هو بالمماسة كما أفاده الشيخ وشرطه في بعض المواضع كمبحث المزاج وغيره لم لا يجوز أن يفعل بالمحاذاة فقط أو القرب من غير ملاقاة كما ترى في إضاءة الشمس لما يقابله من الأرض مع هذا البعد المفرط والجواب بإقامة البرهان على صحة هذه المقدمة أنه لا يخلو إما أن يعتبر بين الفاعل الطبيعي ومنفعله نسبة وضعية سواء كانت مماسا أو غيره كالمحاذاة وضرب من القرب والبعد أو لا يعتبر لا سبيل إلى الثاني لما تبين في موضعه أن كل تأثير وتأثر من قوة جسمانية إنما يكون بمشاركة نسبة وضعية فبقي الشق الأول فنقول حينئذ إذا لم يكن للنسبة بين المسخن والمتسخن مثلا بالملاقاة فلا بد أن يكون بضرب من المحاذاة والبعد فحينئذ إن كان بينهما جسم قابل فلا يخلو إما أن يتسخن المتوسط