بصفاته والتحقيق أن جوهر النفس وإن كان موجودا بوجود واحد لكن وحدتها ضرب آخر من الوحدة فهي بذاتها يكون في البدن وبذاتها منفصل عنه فهي فيه ولا فيه حسب مراتبها في الوجود الجمعي فهي من حيث هي في البدن تفعل بفعله وينفعل بانفعاله ومن حيث كونها مفارقا عنه لا يؤثر في شيء من ذوات الأوضاع فهكذا يجب أن يتصور الحال في النفس ما دامت نفسا لكن إدراكه صعب على كثير من أذهان العلماء فضلا عن غيرهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
[ في بيان شبهة زيادة المعلول على العلة ]
قوله فإن قال قائل إن النار قد تذيب الجواهر إلى آخره لما ذكر الشيخ من أقسام المستعدات التامة ما يشتمل على طبيعة تمانع الذي ينفعل به عن الفاعل وحكم عليها بأنه لا يمكن أن يساوي الفاعل أو يزيد عليه فيما حصل فيه من ذلك الفاعل ورد عليه الإشكال بحال الفلزات المذابة بالنار والمسبوكات بأن سخونتها أقوى من سخونة النار حيث يحترق اليد منها بمجرد الملاقاة دون النار فأجاب عنه بأن فيها وجودها عديدة من الأمور غير الحرارة هي الباعثة لأن يظهر من الفلزات الذاتية أثر السخونة أقوى من النار وهي كونها غليظة لزجة يبطؤ بها ملاقاة اليد إياها وكون لصوقها باليد عسر الزوال وكونها متحدة السطح غير مخالطة لأجسام مخالفة لها في التأثير وكون النار غير صرفة بل ممازجة بغيرها من أجرام هوائية كاسرة إياها من حاق حرها فهاهنا أمور ثلاثة بعضها أقرب من الظهور من بعض أحدهما ما هو في المسبوك وهو كونه غليظا لزجا يوجب التشبث باليد وبطء الانفصال منها فلا يفارقها إلا في زمان له قدر بالإضافة إلى زمان ملاقاة النار وإن لم يكن التفاوت مدركا للحس لكن الدليل يوجبه وقد تقرر أن ازدياد زمان الفعل من الفاعل يوجب اشتداده فالفاعل الضعيف القوة ربما يفعل فعلا أقوى لطول المدة من الفاعل القوي في مدة قصيرة وثانيها ما هو في النار وهو أن هذه النار المحسوسة إنما هي مركبة من أجزاء نارية حقيقية وأجزاء أخرى أرضية متصعدة بتبعيتها يخالطها بنحو الامتزاج لا بنحو الاتصال بل يتخللها الهواء من خارج على سبيل التجدد بأن نوارد عليها شيئا بعد شيء وكلما يرد ينفصل عنها ويتحدد بدله والوارد عليها هواء بارد فيكسر برودته كيفية الحرارة قبل أن يتسخن بها ويصير نارا مثلها لأن صيرورته نارا جوهريا يستدعي زمانا أقل من زمان استحالة النار في الكيفية ومع ذلك فإن النار سريعة الحركة في الصعود والانفصال عن اليد فلا يبقى جزء منها مماسا لليد زمانا حتى يؤثر فيها تأثيرا محسوسا بل ينحدر من العضو اللامس سريعا وقوله فيما لم يجتمع تأثيرات غير محسوسة كثيرة لا يؤدي إلى قدر محسوس وذلك في مدة لها قدر الباء للسببية والسبب هاهنا عدم سلب التأثير فإن عدم العلة لشيء علة لعدمه ومعناه أن النار التي تلاقي يد اللامس لخفتها وسرعتها في الحركة ينفصل عنها بسرعة ولكن يلاقي اللمس جزءا آخر من النار بدل الجزء المنفصل فلو كان لليد مكث صالح فيها لأمكن أن يجتمع في اللامس تأثيرات متعددة مجموعها له قدر محسوس في التأثير وإن لم يكن واحد واحد محسوسا فما لم يجتمع تلك التأثيرات لم يحصل هذا الأثر المحسوس وأما الفلز المذاب فإن أجزائه مجتمعة متصلة اتصالا وحدانيا لا اتصالا امتزاجيا فلها سطح واحد وأنها ثقيلة الطبع لا يتحرك بسرعة في الانفصال عن العضو فكان ما به الملاقاة بين اليد والمسبوك سطحا واحدا متصل الأجزاء فبتطابق المتلاقيان بالكلية وليس كذلك ما يلاقي العضو من النار المحسوسة الغير الحقيقية فلا يوجد لها سطح واحد ناري لتركب سطحها مع سطح ما يخالطها من الأجزاء الهوائية الباردة بالقياس إليها فلا يلاقي اللامس البارد بكليتها بما هي نار فلا يؤثر تأثير الملاقي بكليته إلا أن يمضي مدة يتعاقب فيها المماساة فيقوى التأثير لكثرة الأفاعيل أو يبقى فعل واحد ببقاء فاعله وهو السطح الملاقي من غير تبدل فيتسلط ويقوى الفعل والفرق بين الوجهين باعتبار العدة في أحدهما والمدة في الآخر كما هو الأمر في سائر الاستحالات الطبيعية من أن التأثير يشتد في القابل إما بمؤثر قوي التأثير أو بكثرة المؤثرات الضعيفة أو بطول زمان التأثير من مؤثر ضعيف وقوله وأما النار المحقونة في الكيران كأنه سؤال وجواب وهو أنكم ادعيتم أن النار المحسوسة أقل تأثيرا من السبيكة في التسخين لكونها مختلطة بالغير فما يقولون في مثل النار المحصورة في كور الحدادين وهي النار الشفافة الغير المحسوسة بالبصر لقوتها على إحالة ما يخالطها من الأجزاء الهوائية ثم لا يرد عليها شيء من خارج لكونها محقونة في الكيران فأجاب بأن تلك النار أعظم تأثيرا من المسبوكات وغيرها وأسرع زمانا في التأثير من غيرها في تلك الأمور وذلك لاجتماعها حيث لا يرد عليها هواء من خارج أو صرافتها لقوتها على إحالة ما كان خالطها أو لا وثالثها هو اختلاف حال اليد في المرور على النار والمرور على السبائك فاليد قادرة على قطع الأجسام اللطيفة كالنار والهواء بسرعة لا يمكن
قطع غيرها بمثل تلك السرعة لكثافتها وذلك لأن المعاوق في أحدهما ضعيف وفي الآخر قوي ولا يبعد