فيكون حركة وعنوا بها ما يعم الحركات الأربع الواقعة في مقولة الكم والكيف والأين والمتى وجعلوا الكون والفساد أي حدوث الجوهرية وزوالها حركة أيضا أما على سبيل المساهلة أو لتجويزهم وقوع الحركة في الصورة المادية فإن جماعة منهم جعل الطبيعة نفس الحركة ولعل مرادهم وقوع التدرج فيها قوله وقد يكون الفاعل بذاته فاعلا وقد يكون بقوة والذي بذاته فمثل الحرارة إلى آخره قد علمت أن الفاعل قد يكون بالذات وقد يكون بالعرض فاعلم هاهنا أن الفاعل بالذات قد يكون بذاته فاعلا أي بلا توسط فاعل مباشر للفعل وقد لا يكون بذاته فمثال الأول وهو الفاعل القريب كالحرارة للتسخين وغيره فإنها لو فرضت موجودة مجردة عن فاعل قبلها لفعلت آثارها وكالقوة المحركة للأوتار والأوتار للأعضاء ومثال الفاعل لا بذاته وهو الفاعل البعيد سواء كان بمرتبة كالصورة النارية لآثارها فإنها تفعل بواسطة الحرارة أو بمراتب كالنفس للحركة الاختيارية فإنها علة بعيدة لها بوسائط من القوى فإن المحرك القريب للأعضاء هي الأوتار ومحرك الأوتار هو القوة الفاعلة المباشرة لتحريكها وقبلها القوة الشوقية ويقال لها الباعثة وقبلها التصور للفائدة والتصديق بها وقبله النفس الحيوانية بقوتها الوهمية والخيالية إن كانت الحركة حيوانية أو النفس العاقلة بتوسط العقل العملي رئيس سائر القوى المدركة والمحركة في الإنسانية إن كانت الحركة فكرية والشيخ قد عد في الطبيعيات أصناف القوى وترتيبها سيما ما ذكره في كتاب النفس
[ الفصل الثالث : في مناسبة ما بين العلل الفاعلية ومعلولاتها ]
قوله فصل في مناسبة ما بين العلل الفاعلية ومعلولاتها فنقول ليس الفاعل كل ما أفاد إلى آخره يريد بيان كيفية المناسبة بين الفواعل ومعلولاتها فبين أن تلك المناسبة لا يجب أن تكون بالمماثلة بل قد يكون وقد لا يكون إذ ليس كل ما أفاد وجودا أفاده مثل نفسه أي في الماهية بل ربما أفاد وجودا مثل وجود ماهية وربما لم يفد كذلك بل أفاد وجودا لا مثل وجوده في الماهية مثال هذا كالنار تسود أي تفعل السواد وليس السواد مثل النار ومثال الأول كالحرارة تفعل السخونة والسخونة نحو من الحرارة ثم الفاعل الذي يفعل وجودا نحو وجود نفسه ربما كان وجوده أقوى وأولى في الطبيعة المشتركة بينه وبين مفعوله من وجود ذلك المفعول وربما لم يكن والمشهور عند الجمهور هو القسم الأول فقط وليس ما ظنه الجمهور ببديهي ولا بصحيح عند الشيخ وتابعيه من كل وجه إلا إذا كان المفاد نفس الوجود الحقيقية للشيء المعلول بأن يكون فاعلية الفاعل في نفس وجود الطبيعة التي للمعلول بما هو وجوده ونفس الحقيقة بما هي حقيقة لا بأن يكون الوجود وجودا خاصا والحقيقة حقيقة شخصيته فحينئذ يكون المعطي أولى وأقوى بما يعطيه ويفيده من المعطى له المستفيد اللهم إلا أن يكون الفاعل أجل من أن يوصف بما يفيده فمثال ذلك معطي العلم والقدرة وكل ما هو كمال للوجود بما هو موجود فإنه لا محالة أولى بالعلة المفيدة من المعلول ومثال الثاني معطي حقيقة النار وهو العقل الفعال والمراد من الوجود والحقيقة هاهنا شيء واحد والحاصل أن وجود الفاعل المفيد لنفس الوجود أولى بطبيعة الوجود من وجود ما يصدر منه وأما إذا لم يكن الفاعل مفيدا لنفس الحقيقة بل لوجود شيء خاص من طبيعة كحرارة خاصة أو نار مخصوصة أو غيرهما فليس الحكم هناك على هذا السبيل بل تحتاج إلى تفصيل وهاهنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي أن الفاعل إن كان فاعلا حقيقيا كما هو عند الإلهيين لا ما سماه الطبيعيون والمتكلمون كمبادي الحركات والمعدات ففاعليته لا محالة في نفس طبيعة الوجود فيكون في العلة أولى وأقوى ويكون المعلول بالذات من سنخ طبيعة العلة الفاعلية إلا أن من ضرورة كون العلة مفيدة والمعلول مفادا أن لا يكون المعلول مثل العلة في شدة الوجود وكماله بل يكون أضعف منه وأنقص فإن كان اختلاف الوجودات في الشدة والضعف مطلقا يكون اختلافا مستلزما لاختلاف الماهيات فيلزم بين كل علة فاعلة للوجود ومعلول اختلاف في الماهية وإلا فأمكن أن يكون بين الفاعل وما يليه من المعلول القريب مماثلة ما في النوع وأما إذا كان الفاعل غير ما ذكرناه كما في عرف الطبيعيين وغيرهم فالأقسام المذكور كلها متصورة كما سيفصله
[ في بيان المفيد للوجود والمستفيد للوجود ]
قوله ولنعد من رأس فنقول إن العلل لا يخلو إما أن يكون عللا للمعلولات إلى آخره الأسباب الفاعلية منقسمة بحسب الظاهر إلى ما يكون عللا لمعلولات مشاركة لها في نحو وجودها كالحركة إذا كانت علة للسخونة وكالحرارة إذا كانت علة للحركة في الكم كالتخلخل وللحركة في الأين كالصعود وكالبرودة إذا كانت علة للحركتين كالتكاثف والهبوط وكغير هذه من أمثلة كثيرة مشابهة لما ذكر قوله ولنكلم العلل والمعلولات التي يناسب الوجه الأول ولنورد إلى آخره يريد بيان