أحدهما أن يكون العلة والمعلول مشتركين في استعداد المادة كالنار الحاصلة من نار أخرى كما سبق وثانيهما أن لا يكونا كذلك فيكون الاستعداد فيهما مختلفان وذلك كضوء الشمس الفاعل لضوء الأرض والقمر إذ الضوءان وإن كانا مشتركين في المعنى لكن ليس استعداد المادة في العلة والمعلول متفقا ولا المادتان من نوع واحد فإن مادة العلة هي جوهر الشمس ومادة المعلول هي جوهر الأرض مثلا ومعلوم أن ضوء الشمس أشد من ضوء الأرض فإن كان شرط تساوي الكيفيتين في الماهية النوعية عدم اختلافهما في الكمال والنقص كما هو عند أتباع المشائين لم يكن الشخصان متماثلين وإن لم يكن ذلك شرطا كما هو عند أتباع الرواقيين فجاز اتفاقهما في النوع واختلافهما بالعوارض والمشخصات كالمادة ونحوها لكن الظاهر أن النور الفلكي سيما الشمس الذي يفعل هذه الأفعال العجيبة والآثار العظيمة من إحياء الموت ونشو الحيوان والنبات وإن كان على سبيل الإعداد دون الإيجاد لا تساوي السانح على وجه الأرض في تمام الحقيقة النوعية
[ في بيان أقسام الاستعداد التام والناقص ]
قوله وأما القسم الأول وهو أن يكون الأمران مشتركين في استعداد المادة فهو أيضا على قسمين لأن ذلك الاستعداد إما أن إلى آخره المراد من استعداد المادة المأخوذة في القسم الأول مطلق الاستعداد الأعم من التام والناقص وذي المعاون وذي المعاوق ليحتمل الانقسام إلى هذه الأقسام الخمسة فيقال الاستعداد المشترك بين الفاعل والمنفعل إما أن يكون تاما في المنفعل أو ناقصا والمراد من الأول ما لا يكون في طباع المستعد معاوق جوهري أو مضاد عرضي لما هو مستعد له كاستعداد الماء المتسخن لقبول البرودة إذ ليس في طباع الماء وهو صورته الباقية عند التسخن معاوقة لقبول البرودة بل فيه معاونة له كما في أحد الأقسام للاستعداد التام ومثال الاستعداد الناقص كاستعداد الماء لقبول السخونة من ماء متسخن آخر وهو أي الاستعداد التام على ثلاثة أقسام الأول أن يكون في القابل المستعد قوة معاونة له في قبول ما يستعده ويكون باقية فيه على وجه الإعانة كما في المثال المذكور آنفا الثاني أن يكون فيه قوة مضادة لما يقبله لكنها مما يبطل عند حدوثه الثالث أن يكون خاليا من الأمرين لا معين يعاونه ولا ضد يعاوقه فهذه خمسة أقسام وباقي ألفاظ الكتاب واضحة والأمثلة في الأقسام معلومة الأمثال الشعر إذا شاب عن سواد من أقسام التام الاستعداد لأن مشاركة الفاعل والمنفعل في استعداد المادة هناك غير معلومة والأولى أن يورد استعداد الماء ماء بسبب النار بدله في المثال لأنه كما ذكره الشيخ من القسم الذي يكون استعداد المنفعل فيه تاما وكان في المادة ضد لما يقبله ولكن بطل ولم يبق فيكون من القسم الثاني من أقسام التام الاستعداد
[ في بيان الأنواع المنحصرة في الفرد إنما يكون في الخارج لا في الذهن ]
قوله ولقائل أن يقول إنكم قد تركتم اعتبار قسم واحد وهو أن لا يكون مشاركة في المادة أصلا إلى آخره احتمال هذا القسم ساقط عن درجة الاعتبار لأن مقسم هذه الأقسام هو ما يكون العلة والمعلول كلاهما من نوع واحد والبرهان قائم على الأمور المتحدة في الماهية النوعية لا بد في اختلافهما بالعدد من عوارض مادية لأن اختلافها وتعددها لا يمكن أن يكون بالماهية أو بلازم من لوازمها وإلا فلم يوجد منها واحد وإذا لم يكن واحدا لم يكن كثيرا إذ الواحد مبدأ العدد فلا بد أن يكون التعدد بأعراض مفارقة وكل عرض ممكن الافتراق يحتاج إلى مادة فالنوع الواحد المتعدد والأفراد مفتقر إلى مادة حاصلة لتشخصات أفرادها فالنوع المفارق يمتنع أن يوجد الأغيار واحدا فكون العلة والمعلول من نوع واحد مع كونها بلا مادة توهم باطل وكذا كون العلة مادية والمعلول مجردا أيضا باطل سواء كانا متفقين نوعا أو مختلفين لأن تأثير القوة الجسمانية بمشاركة الوضع فلا تأثير لها فيما لا وضع له بالقياس إليها وأما كون العلة مجردة والمعلول ماديا فذلك جائز بشرط اختلافهما نوعا والكلام في الفرق بين هذين المتعاكسين بالإمكان وعدمه يحتاج إلى توضيح وتحقيق لا يحتمل هذا المقام قوله بيان الحكم في كل واحد من الأقسام الخمسة فإنا نورد الحكم في قسم قسم منها إلى آخره يريد بيان الحكم في كل واحد من الأقسام الخمسة المندرجة تحت ما يكون الفاعل وفعله من نوع واحد من جهة إمكان المساواة بينها وعدمه فيما يقبل الزيادة والنقصان أما القسم الأول من الترديد الأول لهذا الباب هو الذي لا اشتراك بينهما في استعداد المادة قريبا كان أو بعيدا فحكم فيه بإمكان المساواة وإمكان اللامساواة بل إمكان الزيادة في جانب الفعل على ما في الفاعل من الكيفية القابلة للشدة والضعف ونحوها وذلك لأجل خصوصيته في جوهر إحدى الماديتين أو في كلتيهما إلا بمنع المساواة أو الزيادة وأما المثال الذي ذكره الشيخ في إمكان المساواة من مشايعة كرة الأثير لفلك القمر أو محدبها المقعرة ففيه أن حركة الأثير