قبله أو لا والثاني باطل لأن أثر التسخين إلى الأبعد بعد وصوله إلى الأقرب ضرورة لكونه أولى بالقبول لقربه إلى الفاعل والأول يوجب المطلوب لأن المتوسط لو لم يكن ملاقيا للتسخن كان بينهما متوسط آخر وينقل الكلام إليه وهكذا حتى ينتهي إلى المتوسط الذي يكون ملاقيا دفعا للتسلسل وعدم تناهي الأبعاد وإذا حصل المتوسط الملاقي حصل أثر التسخين أولا إلى الجسم الملاقي ثم إلى ملاقي الملاقي بتوسط الملاقي فثبت أن كل تأثير طبيعي لا يكون إلا بالتماس والتلاقي هذا تقرير ما ذكره الشيخ في الطبيعيات واعترض عليه الإمام الرازي بأن هذا يناقض ما ذكره في الفصل السابع من المقالة الثالثة من علم النفس حيث قال في جواب من أنكر تأدى شبح المبصرات في الهواء من غير أن يتكيف الهواء بأنه ليس بينا بنفسه ولا ظاهرا إن كل جسم فاعل يجب أن يكون ملاقيا للمحسوس فإن هذا وإن كان موجودا استقراء في أكثر الأجسام فليس واجبا ضرورة بل يجوز أن يكون انفعال أشياء من غير ملاقاة فيكون أجسام يفعل بالملاقاة وأجسام يفعل لا بالملاقاة وليس يمكن أن يقيم أحد برهانا على استحالة هذا إنما يبقى ضرب من التعجب فإذا كان هذا غير مستحيل في أول العقل وكانت صحة مذهبنا المبرهن عليه يوجبه وكأن لا برهان البتة بنقيضه فنقول من شأن الجسم المضيء بذاته والمستنير الملون أن يفعل في الجسم الذي يقابله إذا كان قابلا للشبح قبول البصر وبينهما لا لون له تأثيرا هو صورة مثل صورته من غير أن يفعل في المتوسط شيئا إذ هو غير قابل لأنه شفاف قال الإمام هذا ما ذكره في هذا الموضع وقد ذكر هذا المعنى في الفصل المشتمل على المقدمات التي يحتاج إليها في معرفة الهالة وقوس قزح ولا يخفى أن ذلك مبالغة في بيان أن الفعل والانفعال لا يحتاجان باللقاء والتماس مع أنه تصدى في الفصل حقيقة المزاج لإقامة البرهان على أن الفعل والانفعال لا يتمان إلا باللقاء وأنه تكثر تعجبي بوقوع أمثال هذه المناقضات الظاهر لهذا الشيخ قال ومن الإشكالات أن الشمس تسخن الأرض مع أنها لا تسخن الأجسام القريبة كالأفلاك وكذا تضيء الأرض ولا تضيء الأجسام المتوسطة بينها وبين الأرض لأنها شفافة فإذا كان كذلك فكيف يجوز للرجل الزكي مع هذه الإشكالات أن يجزم بأن الفعل والانفعال لا يتمان إلا باللقاء والتماس انتهى أقول إن هذا المرء المعروف بالفضل والذكاء سريع المبادرة إلى الاعتراض على مثل الشيخ قبل الإمعان والتفتيش لعجلة طبعه وطيشه أما نسبة التناقض في الكلام فليس كما زعمه فإن الذي منع وجوب الملاقاة فيه هو مطلق التأثير والتأثير بين الجسمين والذي أوجب فيه ذلك هو التأثير والتأثر المخصوص ولا تناقض بين وجوب حكم على نوع مخصوص من الفعل وعدم وجوبه على نوع آخر وذلك لأن نوع الفعل والانفعال مختلف في الموضعين الذي أحدهما مثل التسخين والتسخن والتبريد والتبرد ونحوهما والثاني مثل الإنارة والاستنارة والإظلال والاستظلال وشبههما فإن الفعل وكذا الانفعال فيما هو من قبيل الأول تدريجي وفيما هو من قبيل الثاني دفعي فالذي أوجب الشيخ فيه الملاقاة هو الأفاعيل والانفعالات التدريجية التي لا ينفك عن الحركة والاستحالة فلا بد فيها من مباشرة الفاعل المحرك للقابل المتحرك ومن هذا القبيل فعل العناصر بعضها في بعض والذي لم يوجب فيه الملاقاة ما ليس كذلك كالفعل الدفعي والقبول والتحقيق في هذا المقام أن الموجودات بعضها طبيعي مادي وبعضها تعليمي صوري وبعضها إلهي عقلي فالفعل الطبيعي لا يصدر إلا عن فاعل زماني الوجود يفعل بالاستحالة في مادة منفعلة مستحيلة الوجود وأما الفعل الهندسي فلا مدخل فيه للحركة والانفعال بل مجرد الكمية والوضع اللازم وإن لم ينفك الفاعل والقابل عن زمان وحركة وأما الفعل العقلي فلا حاجة فيه إلى زمان وحركة ولا وضع ومقدار إنما المحتاج إليه فيه نفس الفاعل وماهية القابل لا غير منان الأول كالتحريكات والإحالات مثل التسخين والتبريد والترطيب والتسويد والتبييض والإنماء والتغذية والتوليد ونحوها ومثال الثاني كالإنارة والإضاءة ووقوع العكوس والأشباح والمحاذيات وحدوث التشكيلات كالتربيع والتثليث والتكعيب وغيرها ومثال الفعل الإلهي كمطلق الإيجاد والإبداع والإفاضة والإعلام والهداية
والجود والفصل والرحمة وغيرها إذا تقرر هذا فنقول إن كل فعل طبيعي يصدر عن فاعله القريب سواء فعل في مادة وجوده أو غيرها لا بد أن يكون بالمباشرة والملاقاة وذلك لأن الفاعل الطبيعي منغمر في المادة كل الانغمار ومستغرق كل الاستغراق ثم إن الوجود لما كان مقوم الإيجاد متقوم بالوجود فكل ما يحتاج في وجوده إلى شيء يحتاج في الإيجاد إلى ذلك الشيء على النحو الذي يحتاج إليه فالفاعل إذا كان وجوده مفتقرا إلى المادة كل الافتقار حتى يكون في كل جزء منها فكان في إيجاده وفاعليته محتاجا إلى تلك المادة كالصور العنصرية وكمالاتها الثانوية من الكيفيات المحسوسة فما لم يكن المادة المنفعلة منها يلاقيه
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 238
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص٢٣٨