دائما ما دامت ذاته موجودة فإن كان شيء من الأشياء الذي هو سبب لوجود شيء آخر دائم الوجود غير منقطع أزلا وأبدا كان معلوله أيضا دائما غير منقطع ومثل هذا السبب من العلل الذاتية أولى بمفهوم العلية واسمها لأنه أزال عن ماهية الشيء مطلق العدم وإفادة الوجود الدائم فهو المبدع عند الحكماء وإفادته الوجود يسمى عندهم إبداعا كما أن إفادة الوجود بعد العدم يسمى تكوينا فالإبداع هو تأييس الشيء بعد ليس مطلق أي إيجاده بعد عدم مطلق بوجه من الوجوه بعدية ذاتية لا بعد عدم صريح خارجي بعدية زمانية فالمبدعات ليست لها بحسب إمكانها الذاتي أعدام خارجية بخلاف المكونات بحيث لها أعدام خارجية قبل كونها وربما كانت بعد كونها أيضا فالمبدع لم يكن لها عدم في نفس الأمر بل بحيثية من الحيثيات ومرتبة من المراتب والذي في الواقع هو الوجود لا غير لأنه أوسع من تلك المرتبة فتأمّل فيه فإن هاهنا شبها مشهورة يندفع به وهي أن إمكان العدم للمعلول الأول مع امتناعه على الواجب ينافي التلازم بينهما إذ إمكان اللازم يقتضي إمكان الملزوم فيلزم إمكان الواجب وهو محال ولا يجدي ما ذكره بعض المتأخرين بأن الذي يلزم حينئذ إمكانه بالقياس إلى الغير وذلك لا ينافي الوجوب الذاتي إنما المنافي له الإمكان الذاتي لأن الإمكان الذي بالقياس إلى الغير إنما يتحقق بين الأشياء التي لا يكون بينها علاقة العلية والمعلولية والواجب ومعلوله الأول بينهما علاقة ذاتية وكذا بين نقيضيهما فالحق أن يقال للمعلول وجودا وماهية فالذي منه متصف بالإمكان هو ماهية وهي مما لا علاقة لها لذاتها مع الواجب ولا لزوم والذي منه متصف باللزوم هو الوجود وهو واجب بوجوب سببه الذاتي ولامكان له من هذه الجهة بل من جهة الماهية فبالحقيقة الممكن غير لازم واللازم غير ممكن
[ في بيان معنى الابداع ]
قوله فإن للمعلول في نفسه أن يكون ليس ويكون له عن علية أن يكون أيس والذي يكون للشيء في نفسه أقدم عند الذهن إلى آخره لما ذكر أن الإبداع تأييس بعد ليس مطلق أراد أن يبين كيفية هذه البعدية التي يقال لها الحدوث الذاتي بأن المعلول له في حد نفسه هي أي ماهية أن يكون ليس له وجود وله عن علته الموجبة أن يكون له وجود والذي للشيء في نفسه أقدم من الذي عن غيره عند الذهن تقدما بالذات وهذا الحكم شامل لجميع الممكنات الموجودة فإن كانت مما يكفيه إمكانها الذاتي لصدورها عن العلة فليس لها إلا الحدوث الذاتي أي التأخر عن العدم الذاتي فقط وإن لم يكف فلها مع الحدوث الذاتي حدوث بمعنى آخر وهو سبق العدم واعلم أن هاهنا إشكالا من وجهين أحدهما أن الماهية تابعة للوجود كما حقق مرارا فالفاعل لو لم يفد شيئا لم يكن ماهية أصلا والصادر من الفاعل ليس إلا الوجود فالماهية تبع له كما استقر عليه رأي المشائين سيما الشيخ وأتباعه فإذا كان الأمر كذلك فما معنى لتقدم حال الماهية على حال الوجود والجواب أن ماهية الشيء وإن كانت تابعة لوجوده في الواقع على المعنى المحقق عندهم لكن للعقل أن يلاحظها ويعتبر لها أحوالا فإذا لوحظت الماهية في نفسها يحكم عليها بتقدمها لذاتها على كل ما هو خارج عنها فأول حالاتها الإمكان وبعده الحاجة إلى العلة في الوجود أو العدم وبعدها مرتبة وجوبها بإيجاب العلة إياها ثم وجودها فلها مراتب سابقة على الوجود وجميع هذه الحالات إنما يكون إذا كان المنظور إليه هي الماهية لا نفس الوجود فالوجود هو الأصل في اعتبار الذهن ولها التقدم فيه على الوجود وثانيهما أن ماهية المعلول ليس لها من نفسها أن يكون معدومة وإلا لكانت ممتنعة لا ممكنة كما ليس لها في نفسها أن يكون موجودة وإلا لكانت واجبة لا ممكنة ضرورة احتياج الممكن في كلا الطرفين الوجود والعدم إلى العلة وذكر بعض المتأخرين له وجها آخر وهو أن وجود المعلول عن وجود العلة فلا يكون له في مرتبة وجود العلة إلا العدم وإلا لم يكن وجوده متأخرا عنها ثم قال إنه يرد عليه مثل ما مر فإن تخلف وجود المعلول عن وجود العلة إنما يقتضي أن لا يكون له في مرتبة وجود العلة الوجود لا أن يكون له في تلك المرتبة العدم فإن قلت إذا لم يكن له في تلك المرتبة العدم وإلا لزم الواسطة وأيضا لا معنى للعدم إلا سلب الوجود فإذا الوجود كان له فيها ثبت أن ليس له الوجود في تلك المرتبة ثبت أنه معدوم فيها قلت نقيض وجوده في تلك المرتبة سلب وجوده فيها على طريق نفي المقيد لا سلب وجوده المتصف ذلك السلب بكونه في تلك المرتبة أعني النفي المقيد فلا يلزم من انتفاء الأول تحقق الثاني لجواز أن لا يكون اتصافه بالوجود ولا اتصافه بالعدم في تلك المرتبة كما في الأمور التي ليست بينها علاقة العلية والمعلولية فإنه ليس وجود بعضها ولا عدمه متأخرا عن وجود الآخر ولا متقدما عليه لا يقال إن المتأخر بالزمان متصف بالعدم في أن وجود المتقدم فليكن المتأخر بالزمان متصفا بالعدم في أن وجود المتقدم فليكن المتأخر بالرتبة متصفا بالعدم في مرتبة وجود المتقدم لأنا