التي في الذهن لها أيضا هوية لأنها موجودة من جملة الموجودات ولها أيضا تخصص بأمور منها منطبعة في الذهن ومنها أنها لا يشار إليها إشارة حسية ومنها أنها لا يقبل الانقسام المقداري وليست بموجودة أيضا في كثيرين ولا شركة للكثيرين فيها باعتبار وجودها فيهم وليس معنى الشركة إلا المطابقة فإن كانت الذهنية كليتها باعتبار المطابقة فالجزئيات تطابق بعضها بعضا فيجب أن يكون الجزئيات أيضا كلية وإن قلتم كون الجزئيات متخصصة منعها عن مطابقة الكثيرين فالماهية الذهنية أيضا متخصصة بالانطباع في الذهن والتجرد عن المقدار والوضع فإن الإنسانية كما لا يقتضي المقدار الخاص والوضع الخاص لا يقتضي التجرد عنها وإلا لم يوجد إنسانية مقترنة بهذه العوارض الغريبة وصاحب المطارحات ذكر هذه الشبهة وذكر التفصي عنها بأن الأمر الخارجي ليس وجوده وجودا إدراكيا والصورة الذهنية وإن كانت من حيث تعينها يمتاز عن صورة أخرى لنوعها وهي جزئية من الجزئيات إلا أنها ذات ليست متأصلة في الوجود ليكون ماهية بنفسها أصلية بل مثال وكل مثال إدراكي لما وقع أو سيقع فمن حيث إنها مثال إدراكي لأمر خارج ويصح مطابقته للكثرة يسمى كلية وذاتها إنما حصلت لمطابقة كثرة وللمثالية وأما الخارجي فليست ذاته أنه مثال لشيء آخر انتهى كلامه أقول فيما ذكره ما هو قريب صحيح وما هو بعيد فاسد أما كون الأمر الخارجي ليس وجوده وجودا إدراكيا مثاليا فصحيح لكن لا يلزم أن يكون كل ما وجوده إدراكي مثالي كليا فإن من المثال ما هو جزئي أيضا كالصور الحسية والخيالية وأيضا لا نسلم أن الصور العقلية إنما وجدت لأن يكون أمثلة للخارجيات بل لها وجود في أنفسها عرض لها كونها مثالا لغيرها إذ ليست هي من مقولة المضاف على أن كون الذهني مثالا للخارجي دون العكس موضع تأمّل لأن المماثلة من الجانبين وليس منشأ كلية الأمر الذهني كونه واحدا والخارجيات من الأشخاص متعددة إذ قد علمت أن المثالي أيضا قد يقع متعددا كالخارجي وقد يكون الخارجي من الماهية واحدا والذهني منها متعددا كالشمس مثلا فإن صورتها في الأذهان متعددة وشخصها الخارجي واحد بل الحق في هذا المقام أن للخارجيات من نوع واحد التي وجوداتها المادية يقتضي الانفصال والتفرقة بالفعل أو بالقوة وكونها مغمورة في حجب الأعدام والنقائص أصلا كماليا عقليا له وجود شديد عقلي يفيض منه الوجود أو بواسطته على هذه الخارجيات على قدر استعدادها فهو الأصل في نوعها وهذه كالفروع والرقائق ونسبته إليها نسبة مقوم الماهية والذاتي إلى الماهية لأن وجوده مقوم وجوداتها فبهذا الوجه يصح اشتراكه بينها لتساوي نسبته إليها دون نسبة واحد منها إلى البواقي وأن يحمل معناه ومفهومه عليها وكذا الصورة العقلية التي في الأذهان وأما قولهم إن الصورة العقلية من حيث وجودها وتعينها ليست مشتركة بين كثيرين ولا كلية فليس الأمر كما زعموا إذ التعين العقلي لا ينافي الكلية والاشتراك بل يؤكدهما كما علمت قوله فقد تحققت إذن الكلي في الموجودات ما هو إلى آخره أقول يجب عليك أن تعلم الفرق بين الماهية لا بشرط التي في ذاتها ليست بكلي ولا جزئي ولا غيرهما من المفهومات إلا نفسها لا بمعنى أنها في حد نفسها يحمل عليها نفسها حملا شائعا لأن ذلك أيضا إنما يكون بعد أن يكون موجودة وبين الكلي أي المعروض لأحد المعاني المذكورة التي مفهوماتها كليات منطقية ومعروضاتها كليات طبيعية وهذا المعنى المنطقي لا يعرض الماهية إلا بعد وجودها لأن الوجود أول ما يعرض الماهية فالكلي الطبيعي ما له نحو من الوجود يقبل الشركة بين كثيرين وهو لا يكون إلا وجودا عقليا سواء قام بذاته أو بغيره إذ الوجود الحسي ليس من شأنه الاشتراك إلا بعد تجريده عن المكان والوضع وغيرهما ورأي الشيخ أن الكلي بهذا المعنى لا وجود له مفردا في الأعيان ولو في الأعيان العقلية بل إنما هو وجوده كالكلي المنطقي في النفس لا في الخارج لكنه موجود في الخارج مخلوطا بالشخصيات متعددة بتعددها لا كما زعمه بعض معاصريه أن الماهية من حيث هي واحدة بالعدد في الخارج قد عرض لها جميع التشخصات الخارجية ومن حيث هي عرض لها تشخص زيد تلك بعينها من حيث عرض لها تشخص عمرو حتى يكون إنسانية زيد بعينها إنسانية عمرو وهكذا إنسانية بكر وخالد وغيرهما إنما التغاير بينها بمجرد الإضافة والاعتبار لا غير كنسبة أب واحد لأبناء متكثرة وإليه
الإشارة بقوله إنما يتشكك من أمره هل له وجود على أنه عارض إلى قوله وخالد يعني هل للكلي وجود على أن ذلك الوجود عارض لشيء واحد معين من جملة الأشياء فيكون ذلك الشيء إنسانا مثلا هو ذات واحدة بعينها موجودة بوحداتها المعينة المكثيرين كزيد وعمرو وخالد وهذا الوهم فاسد يحكم بفساده من له أدنى معرفة قوله أما طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان إلى آخره يريد بيان أن الطبيعة الكلية كالإنسان المطلق لا يمكن أن يكون مع وصف الكلية موجودة في الخارج بل إنما وجودها في النفس فذكر أن طبيعة الإنسان بما هو إنسان شيء وأنها موجودة شيء غير أنها إنسان بالاعتبار وأنها كلية شيء يلحقها مع الوجود لكن لا في الخارج بل في النفس
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 188
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص١٨٨