وتقدم الجزء على الكل بحسب الملاحظة العقلية والتحليل العقلي فإذن الإنسان بما هو إنسان فقط لا نوع ولا شخص وكذا الحيوان بما هو حيوان لا كلي ولا جنس ولا نوع ولا شخص ولا واحد ولا كثير لكن يلزمه أن لا يخلو من أطراف هذه المتقابلات وعند إهماله يجوز الاجتماع فيه بين المتقابلين منها فالإنسان بالشرط المذكور أي بما هو إنسان فقط وإن كان موجودا في إنسان ما وفي كل شخص منه لكن ليس هو بذلك الاعتبار إنسانا ما كما ليس هو بذلك الاعتبار هذا الشخص المعين إذ في كونه إنسانا ما زيادة على كونه إنسانا كما في كونه شخصا مخصوصا زيادة على إنسان ما ففيه زيادة على زيادة بل هو بذلك الاعتبار إنسان لا غير وكونه مع غير لا يمنع كونه نفسه فكون إنسان ما موجودا لا يمنع كون الإنسان بما هو إنسان موجودا لأنه إذا كان هذا الشخص وهو إنسان ما موجودا فالإنسان الذي جزؤه يكون موجودا كالبياض المقارن للجسم فإنه من حيث هو بياض موجود وإن كان غير ممكن الافتراق عما يقارنه إذ المقارنة لا ينافي المغايرة بل تؤكدها فالمقارن بشيء سواء كان صفة له أو موصوفا به موجود في نفسه سواء كان وجوده في نفسه هو بعينه وجوده مع غيره كالصفات والأعراض فإن وجود الأعراض في أنفسها هو بعينه وجوداتها لموضوعاتها أو لم يكن كذلك بل عرض أن يكون مقارنا لغيره كالمثلث مع الزوايا والأربعة مع الزوجية فإن وجود المثلث في نفسه شيء وكونه ذا الزوايا شيء آخر عارض لازم له هداية كشفية اعلم أن الموجود في الحقيقة من كل أمر كما مرت الإشارة إليه مرارا هو وجوده الخاص به ومعنى موجودية المعاني والمفهومات هو كونها صادقة عليها محمولة لها وأن ثبوت كل شيء لشيء فرع وجوده في نفسه فمعنى كون الإنسان هو موجودا عند التحقيق عبارة عن كون بعض الموجودات محمولا عليه أنه إنسان بل الموضوع في الأحكام كلها هو الموجود والوجود لا المعاني والمفهومات فمفهوم الإنسان لا يحمل عليه أنه إنسان ولا موجود فكما أن كون كذا موجودا أو واحدا لا يوجب أن يكون مفهوم الوجود أو مفهوم الوحدة موجودا فكذا كون زيد حيوانا أو إنسانا لا يوجب كون معنى الحيوان أو معنى الإنسان من حيث نفس معناه موجودا فإن مصداق موجودية الشيء ومطابقه وملاكه هو وجوده لا نفسه مجردا عن الوجود ولا لا بشرط الوجود وقولهم ليست الماهية من حيث هي إلا هي معناه أنه يحكم عليها من تلك الحيثية بنفسها أو بذاتياتها ولا يحكم عليها بعرضياتها كيف وكل تصديق وحكم لا بد له من مفهوم تصوري ووجود له أو وجود صفة له فكيف يكون مع عزل النظر عن الوجود مصداقا للحكم فالحق أن مثل هذه المفهومات الكلية والطبائع التصورية موجودات بمعنى اتحادها مع الهويات الوجودية ولهذا قالت العرفاء الأعيان الثابتة ما شمت رائحة الوجود أي ليست في ذاتها موجودة لا بالفعل ولا بالقوة ولا كما يقوله الشيخ إنها وإن لم يكن من حيث ذاتها موجودة ولا معدومة لكنها موجودة في الواقع بل معنى موجوديتها اتحادها بالموجودات فافهم هذا فإنه من مزالق أقدام الفحول ومضال الأفهام والعقول قوله ولقائل أن يقول إن الحيوان بما هو حيوان إلى آخره كلام هذا القائل لا يشبه أن يكون كلام رجل واحد فإنه مع كونه مشتملا على الأغلاط التي ألزمها عليه الشيخ يناقض بعضه بعضا فإنه اعترف بأن الحيوان بما هو حيوان موجود لكنه غير موجود لهذا الشخص بل مفارق للأشخاص وهذا تناقض فإنه إذا كان هذا الشخص حيوانا وكان الحيوان صادقا عليه وعلى غيره وليس أحد الشخصين عين الآخر فكان كونه هذا الشخص غير كونه حيوانا ضرورة أن ما به الاشتراك غير ما به الافتراق فثبت أن الحيوان بما هو حيوان موجود في كل شخص فكيف تكون مفارقا محضا والقائلون بأن للماهيات وجودا مفارقا عن هذه الأشخاص لم يقولوا بأن معناها غير موجود في الأشخاص بل قالوا إنه كما أن لها وجودا في الأشخاص لها أيضا وجود آخر مفارق عن الأشخاص على ما سيحكي عنهم الشيخ في ثان السابعة لهذا الكتاب من أن في الوجود إنسانين في معنى الإنسانية إنسان محسوس فاسد وإنسان معقول مفارق أبدي وجعلوا لكل منهما وجودا إلى آخر ما حكاه عنهم ولذلك حكم الشيخ بركاكة كلامه واعتذر عن إيراده ودفعه كأنه أنزل
مرتبة من أن يشتبه فساده على عاقل وقوله تشحط بالحاء المهملة تشحط المقتول بدمه اضطرب وتشحط في دمه تلطخ به وتمرغ فيه وفيه استعارة لطيفة حيث شبه حال من تصورت نفسه بمواد الصور الإدراكية الفاسدة التي لو صحت كانت بها حياة النفس بحال مقتول تلطخ ظاهر جسده بدمه الفاسد الذي به حياته لو لم يفسد قوله فنقول إن هذا الشك إلى آخره كلام هذا القائل مشتمل على وجوه من الغلط الوجه الأول زعم أن الموجود من الحيوان إذا كان حيوانا ما لم يكن الموجود حيوانا بما هو حيوان ومنشأ هذا الغلط أنه جعل اختلاف الاعتبارات والحيثيات مطلقا مستلزما للاختلاف في الوجود فإن كون الشيء هذا الحيوان وكونه حيوانا مطلقا أمور متغايرة بالاعتبار لكنها كلها واحدة في الوجود إذ لا منافاة بين كون واحد هذا الشخص وبين كونه حيوانا ما وكونه حيوانا والوجه الثاني ظنه أن الحيوان من حيث هو حيوان يجب أن يكون إما عاما وإما خاصا بمعنى عدم الخلو أو الانفصال الحقيقي بل الحيوان له اعتبار لا يكون بحسبه عاما
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 185
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص١٨٥