وأما الذي يطلق عليه لفظ الكلي ويكون موجودا في الخارج فذلك كلي بمعنى آخر لا بمعنى كونه صادقا أو كونه مفروض الصدق على كثيرين بالفعل أو بالقوة فقد سبق في بعض فنون الميزان وغيره للكلي معان أخر كما يقال لشخص يشترك في النسبة إليه أشخاص كثيرة كلي بل جنس كالعلوية المنسوبة إلى علي عليه السلام المشتركين في الانتساب إليه وهو المشترك فيه لهم كالكلي أو بلدة تشترك فيها الكثيرون بإلزام فيها أو تكون فيها كالمصرية ويجعلون القسم الأول أولى بهذه الاسم لأن عليا عليه السلام سبب تكونهم كالكلي المقوم للجزئيات سبب لماهياتها دون القسم الثاني لأن مصر ليس سبب تكونهم بل سبب كونهم مصريا وكما يقال العنصر الكلي والفلك الكلي والنفس الكلية والطبيعية الكلية
[ في بيان أن الطبائع الكلية ليست لها مادة ]
قوله بل هذه الطبائع ما كان منها غير محتاج إلى مادة في أن يبقى إلى آخره يعني أن الكلي بهذا المعنى الذي كلامنا فيه قد لا يكون له أفراد كثيرة مشترك فيه فليس من شرط الكلية أن يكون قد عرض له الإضافة إلى كثيرين بالفعل أو بالقوة إلا بحسب الفرض والتصور فإن من الطبائع النوعية ما لا يحتاج إلى المادة لا في بقائه كالصور النوعية للأجسام ولا في حدوثه كالنفوس الناطقة الإنسانية فإنها وإن لم تحتج إلى مادة بدنية في البقاء كما دل عليه البرهان لكن احتاجت إليها في الحدوث على الوجه الذي مر بيانه فمثل تلك الطبيعة يستحيل أن يوجد إلا واحدا بالعدد قائما بذاته لا في مادة منحصرا نوعه في شخصه لأنها لو تكثرت تكثرت إما بالفصول وإما بالمواد وإما بالأعراض والكل محال واستحالة التالي بأقسامه يوجب استحالة المقدم أما الفصول فلأن الكلام في الطبيعة المحصلة النوعية وأما المواد فلكونه مجردا عنها حدوثا وبقاء وأما الأعراض فهي إما لوازم الماهية أو غير اللوازم فلوازم الماهية كالماهية واحد مشترك في الجميع لا يوجب الامتياز والتكثر وأما الأعراض المفارقة ففي شأنها إمكان الزوال وإمكان الحصول إمكانا خارجيا لا ذاتيا فقط وهذا الإمكان عبارة عن القوة والاستعداد وقد علمت في مباحث الهيولى أن حصول مثل هذه القوة لا يمكن إلا فيما يتركب ذاته عن المادة والصورة الخارجيين وقد فرض مجردا عن المادة ولواحقها فيكون واحدة بالوجود غير متكثرة العدد أما ما كان غير هذه الطبيعة المجردة فهو لا محالة محتاج إلى المادة إما في أصل الحقيقة كالأعراض المادية مثل السواد والبياض وإما في القوام الشخصي دون الطبيعة الأصلية فإنها أقدم من المادة كالجواهر الصورية وإما في الهيئات اللازمة للهويات الشخصية كالنفوس الإنسانية في مبادي الكون فهذه الأقسام الثلاثة يتكثر بتكثر المواد وأما قوله وليس يجوز أن يكون طبيعة واحدة غير مادية قد عرفت هذا في خلال ما علمته ففيه كلام طويل ليس هاهنا موضع بيانه وسنعود إليه فيما سيأتي وأما الطبيعة الجنسية فلكونها طبيعة مبهمة الوجود ناقصة يحتاج إلى انضمام مقومات فصلية ومحصلات نوعية فلا يوجد إلا في الأنواع مختلفة ولا يوجد إلا بوجود تلك الأنواع فجاز فيها أن يكون مادية وغير مادية فهذه أي كون بعض الطبائع النوعية منحصر الوجود في شخص كالمفارق عن المادة وبعضها متكثر الوجود كالمقارن للمادة الذي يتميز أفراده بأعراض مفارقة وكون الطبيعة الجنسية متكثر الأنواع حال وجود الكليات كما أن المذكور في الفصل السابق حال ماهيتها واعلم أن الثلاثة الباقية من الكليات الخمس غير خارجة عن النوع والجنس فكل منها بالقياس إلى أفرادها الحقيقة نوع أو جنس قوله وليس يمكن أن يكون إلى آخره أي لو كان موجودا بعينه واحدا بالعدد في أشخاص كثيرة لزم اجتماع الأضداد في موضوع واحد وهو محال وجه اللزوم أن هذه الأشخاص يوصف بصفات متقررة غير مضافة كالسواد والبياض والحلاوة والمرارة والعلم والجهل أعني الصورة المطابقة للواقع والصورة المخالفة وكلاهما وجوديان بينهما غاية الخلاف فالتقابل بينهما تقابل التضاد وليس المراد من العلم الإضافة التي بين العالم والمعلوم بعد تقرر صفة العلم بمعنى الصورة وكذا يلزم اجتماع المتقابلين بالعدم والملكة في موضوع الاتصاف بعضها بالحركة وبعضها بالسكون وكذا بعضها موصوف بالعلم وبعضها بالجهل البسيط العدمي وكذا يلزم تقابل التضايف لكون بعضها أي الأفراد أبا وبعضها ابنا له فيلزم كون إنسان واحد أبا لنفسه وابنا له والتوالي الثلاثة بأسرها باطلة فكذا المقدم وهو كون الإنسانية واحدة بالعدد وقوله إلا ما كان من العوارض ماهية معقولة بالقياس إلى زيد ككونه مثلا معلولا لعلة أو معقولا لعاقل فإنه لا يستلزم الاشتراك بين أمور موجودة في مادة واحدة في مثل هذه الأمور الإضافية بل إنما يلزم الاشتراك المذكور بينها في الأعراض المستقرة كالسواد والبياض والعلم وغيرها لا في الإضافيات فتأمّل واقتصر الشيخ على قسم التضاد لأنه أظهر وجودا وأشنع فسادا ثم إذا كان حال الجنس عند الأنواع حال النوع عند الأشخاص في كونه واحدا بالعدد موجودا في كثيرين يلزم ما هو أفحش وأشنع وهو اجتماع الأمور المتقابلة الذاتية فضلا عن المتقابلة العرضية إذ في الأول كان يلزم أن يكون ذات واحدة موصوفة بعرض ومقابله وهاهنا يلزم أن يكون ذات واحدة ذاتا ومقابل تلك الذات فيكون حيوان