مرتسما في ذات المدرك غير مباين له - وقدم إبطال القسم الأول - على ذكر القسم الثاني - فقال بعد ذكر القسم الأول - فتكون حقيقة ما لا وجود له بالفعل - في الأعيان الخارجية مثل كثير من الأشكال الهندسية مثلا - كالكرة المحيطة باثني عشر قاعدة مخمسات - بل كثير من المفروضات - التي لا تمكن إذا فرضت في الهندسة - كما يفرض مثلا من الممتنعات - ليبين به الخلف - فتكون تلك الحقيقة مما لا تتحقق أصلا - إذ لا حقيقة لها في الخارج - ولما كان مما تدرك علم أنها موجودة لا في الخارج - بل عند المدرك وفيما لا يباينه - فبإبطال القسم الأول يتحقق الثاني - وأشار إلى ذلك بقوله وهو الباقي - والمثال في قوله أو يكون مثال حقيقته هو الصورة المنتزعة - أو الصورة التي لا تحتاج إلى الانتزاع من الشيء - الذي لو كان في الخارج لكان هو - فهذا بيان ما قاله الشيخ واعلم أن العلماء اختلفوا في ماهية الإدراك اختلافا عظيما - وطولوا الكلام فيها لا لخفائها بل لشدة وضوحها - فمنهم من جعل الإضافة [ 1 ] العارضة للمدرك إلى المدرك -
هامش
[ 1 ] قوله « فمنهم من جعل الإضافة » اعلم انا إذا أدركنا فلا شك أن ذلك الشيء يتميز ويظهر عند النفس ، فلا يخلو اما أن يكون ذلك الشيء في النفس أو في الخارج فإن كان في النفس فهو صورة كما مر ، وان كان في خارج النفس فظهوره عند النفس لا يكون الا بحسب إضافة النفس اليه ، بها يظهر الشيء عند النفس كما أن الصورة المحسوسة يظهر في الآلة وهي خارجة عنها لا فيها ، فلما لم يقو بعضهم على رفع الاشكالات الواردة على القول بالصورة ذهبوا إلى أن الادراك إضافة للمدرك إلى المدرك وهو باطل : أما أولا فلان وجود الإضافة يتوقف على وجود المضافين فلا بد أن يكون المدرك موجودا فاما في الذهن فيكون صورة وهو الذي هربوا منه ، وإما في الخارج فلا يكون المدرك الا موجودا في الخارج . فما لا يكون موجودا في الخارج لا يكون مدركا ، وأما ثانيا فلانه يلزم أن لا يكون ادراك ما جهلا لان الجهل انما يكون إذا لم يكن المدرك مطابقا للخارج ، وقد تقرر أن كل مدرك موجود في الخارج على ذلك التقدير .
لا يقال : ما ذكرتموه وارد على الصورة أيضا . فان الصورة المطابقة للمعدوم اما ان يكون صورة اللاشيء أو صورة الشيء وهو محال لان اللاشيء لا مثال له ولا صورة وان كان صورة الشيء فاما ان يكون شيئا في الذهن أو في الخارج ، والأول باطل لان الثابت في الذهن ليس ماهية المعدوم بل صورته ، والثاني باطل أيضا والا لزم وجود المعدوم في الخارج وهو محال ، وأيضا يلزم أن يكون الادراك جهلا ، لان صورة الشيء لا بد أن يكون صورة شيء موجود في الخارج والا لكان اما صورة اللاشيء أو صورة شيء ثابت في الذهن وقد بان استحالتهما . -