أقول ويمكن أيضا أن يقال - إنما احتاج الحيوان إلى الإدراك لأجل الحركة - حتى يتحرك إلى ملائم وعن غير ملائم - ولذلك لم يكن النبات مدركا - والحق أنه لا تقدم لأحدهما على الآخر من هذه الجهة - ولذلك جعلا مبدأي فصلين متساويين في الرتبة للحيوان - بل الوجه في تقدم الإدراك على الحركة - أنه أشرف منها - لأنه قد يكون مطلوبا لذاته كما في الإنسان - والحركة لا تكون البتة مطلوبة إلا لغيرها - وبعد ما تقدم فنقول الشيء المدرك - إما أن يكون ماديا أو لا يكون - فإن كان ماديا فحقيقته المتمثلة - هي صورة منتزعة من نفس حقيقتها الخارجية - انتزاعا ما على الوجه المفصل في الفصل التالي لهذا الفصل - وإن كان مفارقا فلا يحتاج فيه إلى الانتزاع فقوله - وهو أن يكون حقيقة متمثلة متناول للأمرين - يقال تمثل كذا عند كذا - إذا حضر منتصبا عنده بنفسه أو بمثاله [ 1 ] - والإدراك تعرض له إضافتان - إحداهما إلى ذي إدراك - والثاني إلى الشيء المدرك -
هامش
[ 1 ] قوله « إذا حضر منتصبا عنده بنفسه أو أو بمثاله » لقائل أن يقول : هذا يدل على أن ادراك المجردات يحصل بحصول نفسها في العقل لا بمثالها فان في نفسه ، في مقابلة بمثاله . فالحضور بنفسه لا يكون حضورا بمثاله ، لكن ليس كذلك : اما أولا فلانه مناف لما يذكره بعد هذا : ان الامر الخارج عن النفس ادراكه بحصول صورة منه لا بحصول حقيقته ، وأما ثانيا فلانه لو حصل حقيقة المجرد في العقل فإذا تصورها عاقلان يلزم حصول الحقيقة الواحدة بعينها في محلين . وإنه محال .
والجواب : ان الادراك اما ادراك الماديات ، أو ادراك المجردات : اما ادراك الماديات فصورة منتزعة من الحقيقة الخارجية على التفصيل الذي سيذكره ، اما ادراك المجردات ، فاما أن يكون ادراك المجردات الخارجة عن المدرك ، أو ادراك مجردات غير خارجة عن المدرك ، اما ادراك المجردات الخارجة فهو أيضا حصول صورتها ولكن لا حاجة فيه إلى انتزاع ، واما ادراك المجردات الغير الخارجة فهو حضور نفسها ، فقول الشيخ : هو ان يكون حقيقته متمثله عند المدرك . متناول للقسم الأول وللقسم الثاني بقسميه ، فان معنى التمثل ليس مجرد جدول المثال حتى لا يتناول الا القسم الأول وبعض القسم الثاني ، بل حضور حقيقة الشيء اما بنفسها أو بمثالها ولما كان حضور مثالها أعم من أن يكون منتزعا من المادة أو لا يتناول القسمين جميعا فقوله « بنفسه » يقتضى تناول بعض القسم الثاني لا كله فلا اشكال .